ج / 7 ص -133- فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ مَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ. وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ أما: إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى الْمِيقَاتِ.
فرع: حَكَى الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْفُرْعِ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ - وَهُوَ بِلَادٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَيْنَ مَكَّةَ، فَتَكُونُ دُونَ مِيقَاتِ الْمَدَنِيِّ، وَابْنُ عُمَرَ مَدَنِيٌّ وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي"الموطأ"بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ، وَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا تَأْوِيلَيْنِ: أحدهما: أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْفُرْعِ لِحَاجَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ مَكَّةَ، ثُمَّ أَرَادَ النُّسُكَ فَإِنَّ مِيقَاتَهُ مَكَانُهُ، والثاني أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَرَجَعَ قَاصِدًا إلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا بَلَغَ الْفُرْعَ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ فَمِيقَاتُهُ مَكَانُهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَرَادَ الْحَجَّ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِيقَاتُهُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، وَالْأَفْضَلُ أَنَّهُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ مِنْهَا، فَإِنْ أَخْطَأَهَا فَمِنْ التَّنْعِيمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ".
الشرح: أَمَّا إحْرَامُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَصَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي"صَحِيحَيْهِمَا"مِنْ رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَرَوَاهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُخَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ الْخُزَاعِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مُحَرِّشٌ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَبَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ - هَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي ضَبْطِهِ، وَلَا يَذْكُرُ ابْنُ مَاكُولَا وَجَمَاعَةٌ إلَّا هَذَا، والثاني مِحْرَشٌ - بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ والثالث: بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - مِمَّنْ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فِيهِ أَبُو عُمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وأما حديث أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَمَّا الْجِعْرَانَةُ - فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ - وَكَذَا الْحُدَيْبِيَةُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ: هُمَا بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالصَّحِيحُ تَخْفِيفُهُمَا، وَالتَّنْعِيمُ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ، وَالتَّنْعِيمُ - بِفَتْحِ التَّاءِ - وَهُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ: نَعِيمٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ نَاعِمٌ، وَالْوَادِي نُعْمَانُ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إحداهما: مِيقَاتُ الْمَكِّيِّ بِالْحَجِّ نَفْسُ مَكَّةَ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ مَكَّةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَاضِحَةً بِفُرُوعِهَا وَالْمُرَادُ بِالْمَكِّيِّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَوْطِنَهَا أَوْ عَابِرَ سَبِيلٍ المسألة الثانية: إذَا كَانَ بِمَكَّةَ مُسْتَوْطِنًا أَوْ عَابِرَ سَبِيلٍ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِيقَاتُهُ أَدْنَى الْحِلِّ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يَكْفِيهِ الْحُصُولُ فِي الْحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَيْ الْجِهَاتِ كَانَ جِهَاتُ الْحِلِّ، هَذَا هُوَ الْمِيقَاتُ الْوَاجِبُ.