فهرس الكتاب
ج / 7 ص -132- هَذَا مُعَارِضٌ لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم الْمُتَكَرِّرِ فِي حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ، فَكَانَ فِعْلُهُ الْمُتَكَرِّرُ أَفْضَلَ، الرَّابِعُ: أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ جَاءَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِأَنَّ لَهُ مَزَايَا عَدِيدَةً مَعْرُوفَةً، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ، وَرَجَّحَ آخَرُونَ دُوَيْرَةَ أَهْلِهِ الْمَشْهُورَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي إِسْحَاقَ يَعْنِي السَّبِيعِيِّ - وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ سَبَقَ بَيَانُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إِيلِيَّا وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ.
فرع: إنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مِيقَاتِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ؟ حَيْثُ جَازَ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ؟ فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ، فِي"الْمُعَايَاةِ"أَنَّ مِيقَاتَ الْمَكَانِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، بِخِلَافِ مِيقَاتِ الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ كَانَ دَارُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ. وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ قَاصِدًا إلَى مَوْضِعٍ قِبَلَ مَكَّةَ ثُمَّ أَرَادَ النُّسُكَ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، كَمَا إذَا دَخَلَ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ أَرَادَ الْإِحْرَامَ كَانَ مِيقَاتُهُ مِنْ مَكَّةَ".
الشرح: مَنْ كَانَ مَسْكَنُهُ بَيْنَ، مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ بِلَا خِلَافٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا كَانَ فِي قَرْيَةٍ بَيْنَ، مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَبْعَدِ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَدْنَى إلَى مَكَّةَ جَازَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ. فَإِنْ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ وَفَارَقَ الْعُمْرَانَ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ ثُمَّ أَحْرَمَ كَانَ آثِمًا وَعَلَيْهِ الدَّمُ لِلْإِسَاءَةِ فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا سَقَطَ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ خِيَامٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِ أَطْرَافِ الْخِيَامِ إلَى مَكَّةَ، وَيَجُوزُ مِنْ الطَّرَفِ الْأَدْنَى إلَى مَكَّةَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَارِقَهَا إلَى جِهَةِ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
وَإِنْ كَانَ فِي وَادٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْطَعَ طَرَفَيْهِ مُحْرِمًا، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَقْرَبِ إلَى مَكَّةَ جَازَ، فَإِنْ كَانَ فِي بَرِّيَّةٍ سَاكِنًا مُنْفَرِدًا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ أَحْرَمَ مِنْ مَنْزِلِهِ، لَا يُفَارِقُهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ، هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ كُلَّهُ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تعليقه": لَوْ كَانَ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَتَرَكَهُ وَقَصَدَ الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، جَازَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، كَالْمَكِّيِّ إذَا لَمْ يُحْرِمْ مِنْ مَكَّةَ، بَلْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ جَازَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
المسألة الثانية: إذَا مَرَّ الْآفَاقِيُّ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا نَحْوَ الْحَرَمِ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ قَصْدُ النُّسُكِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ - فَمِيقَاتُهُ حَيْثُ عَنَّ لَهُ هَذَا الْقَصْدُ، وَإِنْ كَانَ قَاصِدًا الْحَرَمَ لِحَاجَةٍ فَعَنَّ لَهُ النُّسُكُ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ، فإن قلنا: مَنْ أَرَادَ الْحَرَمَ لِحَاجَةٍ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ، فَهَذَا يَأْثَمُ بِمُجَاوَزَتِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ كَمَنْ قَصَدَ النُّسُكَ وَجَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ الله تعالى وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فَهُوَ كَمَنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ دُخُولَ الْحَرَمِ.