ج / 7 ص -131- قَالَهُ صَاحِبُ البحر مِنْ التَّغْلِيطِ هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ الَّذِي كَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ في"الجديد"أَنَّهُ هُوَ التَّجَرُّدُ عَنْ الْمِخْيَطِ لَا الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، بَلْ نَصَّ في"الجديد"عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ كَرِهَ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْأَصَحِّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَتْ طَائِفَةٌ الْإِحْرَامَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ"المجرد"وَالرُّويَانِيُّ فِي"البحر"وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَصَحَّحَ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ تَفْضِيلَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي"التنبيه"وَآخَرُونَ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِ المختصراتِ، مِنْهُمْ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ قي:"الكفاية"، وَالْمَاوَرْدِيُّ في"الإقناع"، وَالْمَحَامِلِيُّ فِي"المقنع"، وَأَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ في"الكافي"، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: أصحها: عَلَى قَوْلَيْنِ، والثاني الْقَطْعُ بِاسْتِحْبَابِهِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، والثالث: أَنَّ مَنْ [خَشِيَ] عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَدُوَيْرَةُ أَهْلِهِ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمِيقَاتُ.
والأصح: عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْرَمَ فِي حَجَّتِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ"وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَجِّ وَلَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهَا"وَأَحْرَمَ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ ذِي الْحُلَيْفَةِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في"صحيحه"فِي كِتَابِ"الْمَغَازِي"، وَكَذَلِكَ أَحْرَمَ مَعَهُ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْعُمْرَةِ الْمَذْكُورَةِ أَصْحَابُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَهَكَذَا فَعَلَ بَعْدَهُ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ، وَأَهْلُ الْفَضْلِ، فَتَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِحْرَامَ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا شَكٌّ فِي أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ.
فإن قيل: إنَّمَا أَحْرَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمِيقَاتِ لِيُبَيِّنَ جَوَازَهُ، فالجواب: مِنْ أَوْجُهٍ: أحدهما: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَدْ بَيَّنَ الْجَوَازَ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ"، الثاني: أَنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَكَرَّرُ فِعْلُهُ، فَفَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ يَسِيرَةً عَلَى أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَيُدَاوِمُ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ عَلَى أَكْمَلِ الْهَيْئَاتِ، كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَدَاوَمَ عَلَى الثَّلَاثِ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَحْرَمَ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ الثالث: أَنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ إنَّمَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ اُشْتُهِرَ أَكْمَلُ أَحْوَالِهِ بِحَيْثُ يُخَافُ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا.
وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ دَلِيلٍ صَرِيحٍ صَحِيحٍ فِي مُقَابِلَتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَإِنَّ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ إسْنَادَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَرْبَعِ أَجْوِبَةٍ: أحدها: أَنَّ إسْنَادَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، الثاني: أَنَّ فِيهِ بَيَانَ فَضِيلَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ فِيهِ فَضِيلَةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فإن قيل: هَذَا الْجَوَابُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فالجواب: أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً، وَهِيَ تَبْيِينُ قَدْرَ الْفَضِيلَةِ فِيهِ، الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ