فهرس الكتاب
ج / 7 ص -147- وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُعَاوِيَةُ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُكْرَهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: حُكِيَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ:"كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"اخْلَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُتَطَيِّبِ بَعْدَ إحْرَامِهِ يُمْنَعُ مِنْهُ."
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثَيْ عَائِشَةَ رضي الله عنها السَّابِقَيْنِ، وَهُمَا صَحِيحَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الطِّيبَ مَعْنًى يُزَادُ لِلِاسْتِدَامَةِ فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِحْرَامُ مِنْ اسْتِدَامَتِهِ كَالنِّكَاحِ.
والجواب: عَنْ حَدِيثِ يَعْلَى مِنْ أَوْجُهٍ: أحدها أَنَّ هَذَا الْخَلُوقَ كَانَ فِي الْجُبَّةِ لَا فِي الْبَدَنِ، وَالرَّجُلُ مَنْهِيٌّ عَنْ التَّزَعْفُرِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَسْتَوِي فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَعْفَرِ الرَّجُلُ الْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ خَبَرَهُمْ مُتَقَدِّمٌ، وَخَبَرُنَا مُتَأَخِّرٌ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُمْ بِالْجِعْرَانَةِ كَانَ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَخَبَرُنَا كَانَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِلَا شَكٍّ، وَحَجَّةُ الْوَدَاعِ كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ كَانَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهَا بِإِجْمَاعٍ. فإن قيل: فَلَعَلَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا:"أُطَيِّبُهُ لِإِحْرَامِهِ"أَيْ إحْرَامِهِ لِلْعُمْرَةِ، قلنا: هَذَا غَلَطٌ وَغَبَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَجَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ:"كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الطِّيبَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَمِرِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَبَعْدَهُ حَتَّى تَفْرُغَ عُمْرَتُهُ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ الطِّيبُ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فِي الْحَجِّ فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ."
الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الطِّيبَ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَأَمَرَ بِإِزَالَتِهِ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ. وأما: قَوْلُهُمْ: هُوَ فِي مَعْنَى الْمُتَطَيِّبِ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَيَبْطُلُ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَيَبْطُلُ عَلَيْهِمْ بِالنِّكَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي عِيَاضًا وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ الطِّيبِ تَأَوَّلُوا حَدِيثَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّهُ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ الطِّيبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ قَالُوا: وَيَزِيدُ هَذَا قَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى:"طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا"هَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا تَطَيَّبَ لِمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِ، ثُمَّ زَالَ بِالْغُسْلِ بَعْدَهُ. لَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَهَّرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ قَبْلَ الْأُخْرَى وَلَا يَبْقَى مَعَ ذَلِكَ طِيبٌ وَيَكُونُ قَوْلُهَا:"ثُمَّ أَصْبَحَ يَنْضَحُ1 طِيبًا"كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النضخ بالمعجمة قريب من النضح، وقد اختلف فيهما أيهما أكثر، والأكثر أنه بالمعجمة أقل من المهملة وقيل: هو بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب والجسد وبالمهملة الفعل نفسه وقيل: في العمد بالمعجمة وفي الكتاب العزيز {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} (ط) .