فهرس الكتاب
ج / 7 ص -148- أَيْ أَصْبَحَ يَنْضَحُ طِيبًا قَبْلَ غُسْلِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ كَانَ ذَرِيرَةً، وَهِيَ مِمَّا يُذْهِبُهُ الْغُسْلُ، قَالُوا: وَقَوْلُهَا:"كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ"الْمُرَادُ أَثَرُهُ لَا جِرْمَهُ هَذَا اعْتِرَاضُهُمْ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ لِلْإِحْرَامِ لِقَوْلِهَا:"طَيَّبْتُهُ لِإِحْرَامِهِ"وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّطَيُّبَ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلنِّسَاءِ، وَيَعْضِدُهُ قَوْلُهَا:"كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ"وَتَأْوِيلُهُمْ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِمُخَالِفَتِهِ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لِلْإِحْرَامِ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إحْرَامُهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ وَانْبِعَاثِ الرَّاحِلَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد: إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ. وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ لِلْمَذْهَبَيْنِ وَاضِحَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَنْوِي الْإِحْرَامَ وَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" [وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى] وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَيُلَبِّي لِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى النِّيَّةِ وَلَمْ يُلَبِّ أَجْزَأَهُ، وَقَالَ: [أَبُو إِسْحَاقَ و] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ، كَمَا لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يَجِبُ النُّطْقُ فِي آخِرِهَا، فَلَمْ يَجِبْ [النُّطْقُ] فِي أَوَّلِهَا كَالصَّوْمِ".
الشرح: حَدِيثُ:"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَّلِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وقوله: عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْأَذَانِ وَالْعِدَّةِ وَنَحْوِهِمَا، وَالسَّلَفُ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَالْخَلَفُ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ سَبَقَ بَيَانُ حَالِهِ فِي بَابِ الْحَيْضِ، وَقَوْلُهُ: لَا يَجِبُ النُّطْقُ فِي آخِرِهَا احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَنْبَغِي لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ أَنْ يَنْوِيَهُ بِقَلْبِهِ، وَيَلْفِظَ بِذَلِكَ بِلِسَانِهِ، وَيُلَبِّي فَيَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: نَوَيْتُ الْحَجَّ وَأَحْرَمْت بِهِ لِلَّهِ تعالى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إلَى آخِرِ التَّلْبِيَةِ، فَهَذَا أَكْمَلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ، فَالْإِحْرَامُ هُوَ النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ، وَهِيَ قَصْدُ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ كِلَيْهِمَا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْأَصْحَابُ، وأما: اللَّفْظُ بِذَلِكَ فَمُسْتَحَبٌّ لِتَوْكِيدِ مَا فِي الْقَلْبِ كَمَا سَبَقَ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّفْظِ دُونَ الْقَلْبِ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ دُونَ لَفْظِ اللِّسَانِ صَحَّ إحْرَامُهُ كَمَا سَبَقَ هُنَاكَ، أما: إذَا لَبَّى وَلَمْ يَنْوِ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا لَبَّى بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ:"وَإِنْ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ، وَتَأَوَّلُوا رِوَايَةَ الرَّبِيعِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، ثُمَّ تَلَفَّظَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَنْوِهِ فَيُجْعَلُ لَفْظُهُ تَعْيِينًا لِلْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
والطريق الثاني: حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أصحهما: لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ، والثاني يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ مَا سَمَّى؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالتَّسْمِيَةِ، قَالُوا: وَعَلَى هَذَا لَوْ أَطْلَقَ التَّلْبِيَةَ انْعَقَدَ الْإِحْرَامُ مُطْلَقًا يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ غَلَطٌ، قَالَ إمَامُ