فهرس الكتاب
ج / 7 ص -149- الْحَرَمَيْنِ: لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا، قَالَ: فَإِنْ تَكَلَّفَ لَهُ مُتَكَلِّفٌ وَقَالَ: مِنْ ضَرُورَةِ تَجْرِيدِ الْقَصْدِ إلَى التَّلْبِيَةِ مَعَ انْتِفَاءِ سَائِرِ الْمَقَاصِدِ سِوَى الْإِحْرَامِ أَنْ يُجْزِئَ فِي الضَّمِيرِ، قَصْدُ الْإِحْرَامِ قلنا: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَضَ هَذَا فَهُوَ إحْرَامٌ بِنِيَّةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ بِالنِّيَّةِ، قلت: وَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّا سَنَذْكُرُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ الله تعالى أَنَّ الْإِحْرَامَ الْمُطْلَقَ لَا يَصِحُّ صَرْفُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَاعْلَمْ: أَنَّ نَصَّهُ فِي"مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ"مُحْتَاجٌ إلَى قَيْدٍ آخَرَ، وَمَعْنَاهُ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَلَا أَصْلَ الْإِحْرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا لَبَّى وَلَمْ يَنْوِ فَلَوْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَوْ أَقْوَالٍ: الصحيح: الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ والثاني لَا يَنْعَقِدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَوْلًا قَدِيمًا والثالث: حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ وَتَقْلِيدِهِ وَالتَّوَجُّهِ مَعَهُ والرابع: حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّلْبِيَةَ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلِانْعِقَادِ، فَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ وَأَثِمَ وَلَزِمَهُ دَمٌ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: الِاعْتِبَارُ بِالنِّيَّةِ، فَلَوْ لَبَّى بِحَجٍّ وَنَوَى عُمْرَةً فَهُوَ مُعْتَمِرٌ، وَإِنْ لَبَّى بِعُمْرَةٍ وَنَوَى حَجًّا فَهُوَ حَاجٌّ، وَإِنْ لَبَّى بِأَحَدِهِمَا وَنَوَى الْقِرَانَ فَقَارِنٌ، وَلَوْ لَبَّى بِهِمَا وَنَوَى أَحَدَهُمَا انْعَقَدَ مَا نَوَى فَقَطْ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا مَعَ نَظَائِرِهِ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ دُونَ التَّلْبِيَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِالتَّلْبِيَةِ بِلَا نِيَّةٍ، وَقَالَ دَاوُد وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ التَّلْبِيَةِ قَالَ دَاوُد: وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ إلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ وَاحْتُجَّ لَهُمْ"بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَبَّى."
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". وَاحْتَجَّ دَاوُد لِوُجُوبِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ بِحَدِيثِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ - أَوْ قَالَ بِالتَّلْبِيَةِ"- رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد، وَلَفْظُ النَّسَائِيُّ:"جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَك أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ"وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَحَمَلُوا أَحَادِيثَ التَّلْبِيَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مَا يُحْرِمُ بِهِ مِنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَإِنْ أَهَلَّ1 بِنُسُكٍ وَنَوَى غَيْرَهُ انْعَقَدَ مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ بِالْقَلْبِ وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ إحْرَامًا مُبْهَمًا، لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رضي الله عنه قَالَ:"قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَيْفَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَحْسَنْتَ"وَفِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في بعض النسخ"فإن لبنى بنسك" (ط) .