فهرس الكتاب
ج / 7 ص -150-"الْأُمِّ"التَّعْيِينُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَيَّنَ عَرَفَ مَا دَخَلَ فِيهِ والثاني أَنَّ الْإِبْهَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَرَضَ مَرَضٌ أَوْ إحْصَارٌ فَيَصْرِفُهُ إلَى مَا هُوَ أَسْهَلُ عَلَيْهِ. وَإِنْ عَيَّنَ انْعَقَدَ مَا عَيَّنَهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَذْكُرَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فِي تَلْبِيَتِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ أَيُسَمِّي أَحَدُنَا حَجًّا أَوْ عُمْرَةً ؟ فَقَالَ: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ، إنَّمَا هِيَ نِيَّةُ أَحَدِكُمْ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ"وَلِأَنَّهُ إذَا نَطَقَ بِهِ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ السَّهْوِ، فَإِنْ أَبْهَمَ الْإِحْرَامَ جَازَ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لَهُمَا فَصَرَفَهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا"."
الشرح: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وأما حديث أَنَسٍ وَحَدِيثُ إحْرَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِحَجٍّ فَصَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ احْتِجَاجُهُ بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى لِجَوَازِ إطْلَاقِ الْإِحْرَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إطْلَاقٌ وَإِبْهَامٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَعْلِيقُ إحْرَامِهِ بِإِحْرَامِ غَيْرِهِ. وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذِهِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الدَّلَالَةُ لِأَنَّهُ إذَا دَلَّ بِجَوَازِ التَّعْلِيقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَمُخَالِفَةِ الْقَوَاعِدِ فَالْإِطْلَاقُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: إحداها: لِلْإِحْرَامِ حَالَانِ: أحدهما: أَنْ يَنْعَقِدَ مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَيَنْعَقِدَ مَا يَنْوِي لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا الْأَعْمَالُ، بِالنِّيَّاتِ"فَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَتْ إحْدَاهُمَا فَقَطْ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْأُخْرَى، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَذَكَرْنَا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، الثاني: أَنْ يَنْعَقِدَ مُطْلَقًا وَيُسَمَّى الْمُطْلَقُ مُبْهَمًا كَمَا نَوَى، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ، وَيَكُونُ الصَّرْفُ بِالنِّيَّةِ لَا بِاللَّفْظِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْعَمَلُ قَبْلَ النِّيَّةِ، فَلَوْ طَافَ أَوْ سَعَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ قَبْلَ النِّيَّةِ، وَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْأَشْهُرِ فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ جَازَ. وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ بَعْدَ دُخُولِ الْأَشْهُرِ فَوَجْهَانِ: الصحيح: لَا يَجُوزُ، بَلْ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً، والثاني يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ إحْرَامُهُ قَدْ وَقَعَ مُطْلَقًا أما: إذَا صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ قَبْلَ الْأَشْهُرِ فَهُوَ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الْأَشْهُرِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
المسألة الثانية: هَلْ الْأَفْضَلُ إطْلَاقُ الْإِحْرَامِ أَوْ تَعْيِينُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: أصحهما: نَصُّهُ في"الأم"أَنَّ التَّعْيِينَ أَفْضَلُ، والثاني نَصُّهُ في"الإملاء"أَنَّ الْإِطْلَاقَ أَفْضَلُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ فِي تَلْبِيَتِهِ بِمَا عَيَّنَهُ بِأَنْ يَقُولَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِحَجٍّ أَوْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: أصحهما: لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى النِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ الْمَسْأَلَةَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا سِوَى التَّلْبِيَةِ الْأُولَى الَّتِي عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ فِيهَا مَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَ: وَلَا يَجْهَرُ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ بَلْ يُسْمِعُهَا نَفْسَهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهَا، فَإِنَّهُ يَجْهَرُ.
المسألة الثالثة: إذَا نَوَى بِقَلْبِهِ حَجًّا وَلَبَّى بِعُمْرَةٍ أَوْ عَكْسَهُ انْعَقَدَ مَا فِي قَلْبِهِ دُونَ لِسَانِهِ، وَقَدْ سَبَقَتْ