فهرس الكتاب
ج / 7 ص -155- نَسِيَهُ، فَأُحِبُّ أَنْ يَقْرِنَ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا فَعَلَهُ، قَالَ: فَإِنْ تَحَرَّى رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ إنْ شَاءَ الله تعالى، هَذَا نَصُّهُ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ عَنْ"الْقَدِيمِ"، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَإِذَا قُلْنَا"بِالْقَدِيمِ"فَتَحَرَّى فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ النُّسُكُ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ تَفْرِيعًا عَلَى"الْقَدِيمِ"، وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ النُّسُكُ، بَلْ فَائِدَةُ التَّحَرِّي التَّخَلُّصُ مِنْ الْإِحْرَامِ وَهَذَا إسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
أَمَّا إذَا قُلْنَا: بِالْجَدِيدِ فَلِلشَّكِّ حَالَانِ: أحدهما: أَنْ يَعْرِضَ قَبْلَ عَمَلِ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَارِنٌ، قَالَ الْأَصْحَابُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْوِي الْقِرَانَ وَيَصِيرُ نَفْسُهُ قَارِنًا، وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا بِلَا نِيَّةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي"المختصر"فَقَالَ: إذَا لَبَّى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ نَسِيَهُ فَهُوَ قَارِنٌ، وَكَذَا لَفْظُ الْمُصَنِّفِ فِي"التنبيه"فَإِنَّهُ قَالَ: يَصِيرُ قَارِنًا، وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُورُ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ نَفْسُهُ قَارِنًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ، وَكَذَا يُتَأَوَّلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي"التنبيه".
قَالَ أَصْحَابُنَا: ثُمَّ إذَا نَوَى الْقِرَانَ، وَأَتَى بِالْأَعْمَالِ تَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْ الْحَجِّ بِيَقِينٍ وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الْعُمْرَةِ بَعْدَهُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَصِحُّ إدْخَالُهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ، فَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَعْمَالِهَا جَائِزٌ فَثَبَتَ لَهُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ، وأما: الْعُمْرَةُ فَإِنْ جَوَّزْنَا إدْخَالَهَا عَلَى الْحَجِّ أَجْزَأَتْهُ أَيْضًا عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أصحهما: تُجْزِئُهُ، وَالثَّانِي لَا تُجْزِئُهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَزَيَّفَ الْأَصْحَابُ قَوْلَ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ هَذَا، وَبَالَغُوا فِي إبْطَالِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ فإن قلنا: يُجْزِئُهُ الْعَمَلُ لَزِمَهُ دَمُ الْقِرَانِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، وإن قلنا: لَا يُجْزِئُهُ الدَّمُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: الصحيح: لَا يَلْزَمُهُ، والثاني يَلْزَمُهُ، وَوَجْهُهُ مَعَ شِدَّةِ ضَعْفِهِ أَنَّ نِيَّةَ الْقِرَانِ وُجِدَتْ، وَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ إلَّا أَنَّا لَمْ نَعْتَدَّ بِالْعُمْرَةِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الدَّمِ وُجُوبُهُ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال أَحْسَنُ مِنْ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ قَوْلَ الْأَصْحَابِ: يَجْعَلُ نَفْسَهُ قَارِنًا. وَقَوْلَ الْمُصَنِّفِ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِجَمِيعِهِ تَحَتُّمَ وُجُوبِ الْقِرَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ نِيَّةُ الْحَجِّ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ رحمه الله الْقِرَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، بَلْ ذَكَرَهُ لِيَسْتَفِيدَ بِهِ الشَّاكُّ التَّحَلُّلَ مَعَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ النُّسُكَيْنِ، قَالَ: فَلَوْ اقْتَصَرَ بَعْدَ النِّسْيَانِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَأَتَى بِأَفْعَالِهِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ قَطْعًا، وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الْحَجِّ، وَلَا تَبْرَأُ مِنْ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ ابْتِدَاءً بِالْحَجِّ، وَكَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ لَمْ يَنْوِ الْقِرَانَ، وَلَكِنْ قَالَ: صَرَفْتُ إحْرَامِي إلَى الْحَجِّ حُسِبَ لَهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَقَدْ حُدِّدَ إحْرَامًا بِهِ فَلَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ، قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُرِيقَ دَمًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ إحْرَامَهُ كَانَ بِعُمْرَةٍ فَيَكُونُ قَارِنًا.
قَالَ: وَلَوْ قَالَ: صَرَفْتُ إحْرَامِي إلَى عُمْرَةٍ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهَا، وَإِذَا أَتَى بِأَعْمَالِهَا لَا تُحْسَبُ لَهُ الْعُمْرَةُ