فهرس الكتاب
ج / 7 ص -188- لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ بِيَقِينٍ، وَحَكَى الدَّارِمِيُّ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ثُمَّ قَالَ: وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا قَوْلًا أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ قَدَّ مَلْفُوفًا وَفِيهَا قَوْلَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ: وَقَعَ الْعَقْدُ فِي الْإِحْرَامِ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي حُكِمَ بِبُطْلَانِهِ لِإِقْرَارِهِ وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَزَوُّجُ الْمُحْرِمِ وَلَا تَزْوِيجُهُ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ بَشَّارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ الْحَكَمُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيُزَوِّجَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ عَلَى الْخُلْعِ وَالرَّجْعَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى النِّكَاحِ وَشِرَاءِ الْجَارِيَةِ وَتَزْوِيجِ السُّلْطَانِ فِي إحْرَامِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ فالجواب: مِنْ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ: أحدها: أَنَّ اللَّفْظَ إذَا اجْتَمَعَ فِيهِ عُرْفُ اللُّغَةِ وَعُرْفُ الشَّرْعِ قُدِّمَ عُرْفُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ طَارِئٌ وَعُرْفُ الشَّرْعِ أَنَّ النِّكَاحَ الْعَقْدُ - لقوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء:25] ، {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ} [البقرة: 232] ، {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:"وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا"وَفِي الصَّحِيحِ:"انْكِحِي أُسَامَةَ"وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَشَبَهِهَا الْعَقْدُ دُونَ الْوَطْءِ وأما قوله تعالى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وقوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} [النور: 3] فَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَطْءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ".
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"وَلَا يَنْكِحُ"عَلَى الْوَطْءِ فَإِنْ قَالُوا: الْمُرَادُ لَا يَطَأُ وَلَا يُمَكِّنُ غَيْرَهُ مِنْ الْوَطْءِ قُلْنَا: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَ غَيْرَهُ مِنْ الْوَطْءِ وَهُوَ إذَا زَوَّجَ بِنْتَه حَلَالًا ثُمَّ أَحْرَمَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُمَكِّنَ الزَّوْجَ مِنْ الْوَطْءِ بِتَسْلِيمِهَا إلَيْهِ.
الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ"لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ"وَالْخِطْبَةُ تُرَادُ لِلْعَقْدِ وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَقَالُوا: يُحْمَلُ"وَلَا يَخْطُبُ"عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ الْوَطْءَ بِالطَّلَبِ أَوْ الِاسْتِدْعَاءِ والجواب: أَنَّ الْخِطْبَةَ الْمَقْرُونَةَ بِالْعَقْدِ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا إلَّا الْخِطْبَةَ الْمَشْهُورَةَ وَهِيَ طَلَبُ التَّزْوِيجِ.
الْجَوَابُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ ابْنَةَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ فَأَرْسَلَ إلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ لِيَحْضُرَ ذَلِكَ وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ وَقَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ في"صحيحه"وَهَذَا السَّبَبُ وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْهُمْ وَسُكُوتُهُمْ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَعَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ"أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِكَاحَهُ"رَوَاهُ مَالِكٌ فِي"الموطأ"وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ"أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ وَهُوَ"