فهرس الكتاب
ج / 7 ص -227- الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ فِي"المختصر الْكَبِيرِ".
والطريق الثاني: طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ عَلَى الْحَالِقِ ابْتِدَاءً قَوْلًا وَاحِدًا، فَمَا دَامَ مُوسِرًا حَاضِرًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَحْلُوقِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ إذَا غَابَ الْحَالِقُ أَوْ أُعْسِرَ، فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَحْلُوقَ إخْرَاجُ الْفِدْيَةِ؟ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْحَالِقِ إذَا حَضَرَ وَأُيْسِرَ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الرَّاجِحِ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي"الْحَاوِي": الصَّحِيحُ طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَبِهَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا. هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ، فَصَحَّحُوا طَرِيقَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ مِمَّنْ صَحَّحَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تعليقه"وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ"الْمَجْمُوعِ"و"التجريد"وَصاحب"البيان"وَآخَرُونَ، وَنَقَلَهَا صاحب"البيان"عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ عَلَى رَأْسِ الْمُحْرِمِ هَلْ هُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ؟ أَمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ فَإِنْ قُلْنَا: عَارِيَّةٌ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْلُوقِ، ثُمَّ يُرْجَعُ بِهَا عَلَى الْحَالِقِ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَارِيَّةُ فِي يَدِهِ وإن قلنا: وَدِيعَةٌ وَجَبَتْ عَلَى الْحَالِقِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَحْلُوقِ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ عِنْدَهُ بِلَا تَفْرِيطٍ. وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تعليقه"عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا: فِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ: وَقِيلَ وَجْهَانِ: أحدهما: أَنَّهُ عَارِيَّةٌ، والثاني وَدِيعَةٌ وَمِمَّنْ نَقَلَ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْخِلَافَ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ صاحب"الشامل"وَالشَّاشِيُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّامِلِي وَغَيْرُهُمْ: الأصح: أَنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعَارِيَّةِ انْتِفَاعُ الْمُسْتَعِيرِ بِهَا وَالْمُحْرِمُ لَا يَنْتَفِعُ بِكَوْنِ الشَّعْرِ عَلَى رَأْسِهِ، وَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهُ فِي إزَالَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ تَمَعَّطَ بِالْمَرَضِ لَمْ يَضْمَنْهُ بِلَا خِلَافٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ، وَلَوْ كَانَ كَالْعَارِيَّةِ لَضَمِنَهُ كَالْعَارِيَّةِ التَّالِفَةِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
قَالَ الْقَاضِي: فإن قيل: إنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ إذَا تَمَعَّطَ بِالْمَرَضِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْعَارِيَّةِ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ وَهُوَ الله تعالى فالجواب: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا حَلَقَهُ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تعالى هُوَ الْفَاعِلُ الْحَقِيقِيُّ فِي الْحَلْقِ وَلَا مُحْدِثَ لِلْأَفْعَالِ سِوَاهُ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْحَلْقَ اكْتَسَبَهُ الْعَبْدُ فَضَمِنَهُ، وَالتَّمَعُّطَ بِالْمَرَضِ لَيْسَ بِكَسْبٍ فَلَمْ يَضْمَنْهُ. هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي"الشَّامِلِ"أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ قَالَ: ذِكْرُ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْقَاضِي فِي"تعليقه"، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْخِلَافَ وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ خَطَأٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ عَلَى الْحَالِقِ، وَلَا يُطَالَبُ الْمَحْلُوقُ أَبَدًا، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِي"شَرْحِهِ"وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ"التَّعْلِيقِ"و"المجرد"وَالْمَحَامِلِيُّ في"المجموع"وَصاحب"الحاوي"وَالْجُرْجَانِيُّ فِي"التحرير"وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَصاحب"البيان"وَالْفَارِقِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ، لِأَنَّ الْمَحْلُوقَ مَعْذُورٌ وَلَا تَقْصِيرَ مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ النَّاسِي وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ الْآخَرِ، إنَّهُ تَرَفُّهٌ بِالْحَلْقِ، فَقَالُوا: هَذَا يَنْتَقِضُ بِمَنْ عِنْدَهُ شَرَابٌ وَدِيعَةً فَجَاءَ إنْسَانٌ فَأَوْجَرَهُ فِي حَلْقِ الْمُودِعِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَإِنَّ