فهرس الكتاب
ج / 7 ص -226- فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إذَا لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ فَلَا فِدْيَةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَقَاسُوهُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَدَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ إتْلَافٌ وأما: إذَا وَطِئَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ نُسُكُهُ وَلَا كَفَّارَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَفْسُدُ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَوَافَقَنَا دَاوُد فِي النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ الْمَذْهَبَيْنِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ حَلَقَ رَجُلٌ رَأْسَهُ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ أَزَالَ شَعْرَهُ بِسَبَبٍ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ إذَا حَلَقَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ حَلَقَهُ وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ مُكْرَهٌ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: تَجِبُ عَلَى الْحَالِقِ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ، فَإِذَا أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهُ كَالْوَدِيعَةِ إذَا أَتْلَفَهَا غَاصِبٌ، والثاني تَجِبُ عَلَى الْمَحْلُوقِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَرَفَّهَ بِالْحَلْقِ فَكَانَتْ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ (فإن قلنا) : تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْحَالِقِ فَلِلْمَحْلُوقِ مُطَالَبَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا، لِأَنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْحَالِقُ أَوْ أُعْسِرَ بِالْفِدْيَةِ لَمْ تَجِبْ عَلَى الْمَحْلُوقِ الْفِدْيَةُ (وإن قلنا) : تَجِبُ عَلَى الْمَحْلُوقِ أَخْذُهَا مِنْ الْحَالِقِ بَعْدَ إخْرَاجهَا وَإِنْ افْتَدَى الْمَحْلُوقُ نُظِرَتْ - فَإِنْ افْتَدَى بِالْمَالِ - رَجَعَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الشَّاةِ، أَوْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ، وَإِنْ أَدَّاهَا بِالصَّوْمِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بِهِ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَرْجِعُ بِثَلَاثَةِ أَمْدَادٍ، لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ مُقَدَّرٌ بِمُدٍّ وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أحدهما: أَنَّهُ كَالنَّائِمِ وَالْمُكْرَهِ، لِأَنَّ السُّكُوتَ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْإِذْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ رَجُلٌ مَالَهُ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ إذْنًا فِي إتْلَافِهِ والثاني أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ حَلْقِهِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ جُعِلَ سُكُوتُهُ كَالْإِذْنِ فِيهِ كَالْمُوَدِّعِ إذَا سَكَتَ عَنْ إتْلَافِ الْوَدِيعَةِ.
الشرح: قَوْلُهُ"أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الشَّاةِ أَوْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ"هَكَذَا اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَالْأَجْوَدُ حَذْفُ الْأَلِفِ، فَيُقَالُ: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الشَّاةِ وَثَلَاثَةِ آصُعٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي"تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ"وَفِي"أَلْفَاظِ التنبيه"وَقَوْلُهُ: يَجْرِي مَجْرَى هُوَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - وَقَوْلُهُ: سَكَتَ عَنْ إتْلَافِ الْوَدِيعَةِ، يُقَالُ: سَكَتَ عَنْهُ وَعَلَيْهِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لِلْحَالِقِ وَالْمَحْلُوقِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أحدها: أَنْ يَكُونَا حَلَالَيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، الثاني: أَنْ يَكُونَ الْحَالِقُ مُحْرِمًا وَالْمَحْلُوقُ حَلَالًا فَلَا مَنْعَ مِنْهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا مُحْرِمَيْنِ، الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوقُ مُحْرِمًا دُونَ الْحَالِقِ، وَفِي هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ يَأْثَمُ الْحَالِقُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْحَلْقُ بِإِذْنِ الْمَحْلُوقِ أَثِمَ أَيْضًا، وَوَجَبَتْ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْلُوقِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الْحَالِقُ مُحْرِمًا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ دَلِيلُنَا أَنَّهُ آلَةٌ لِلْمَحْلُوقِ فَوَجَبَتْ إضَافَةُ الْحَلْقِ إلَى الْمَحْلُوقِ دُونَهُ أَمَّا إذَا حَلَقَ الْحَلَالُ أَوْ الْمُحْرِمُ شَعْرَ مُحْرِمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ أحدهما: طَرِيقَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، الثاني: أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: أحدهما: أَنَّ الْفِدْيَةَ عَلَى الْحَالِقِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"الْقَدِيمِ"و"الْإِمْلَاءِ"، والثاني يَجِبُ عَلَى الْمَحْلُوقِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْحَالِقِ، نَصَّ عَلَيْهِ في"البويطي"فِي"مُخْتَصَرِ الْحَجِّ الْأَوْسَطِ"وَقَالَهُ ابْنُ