ج / 7 ص -248- فرع: قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ الْقَضَاءَ عَلَى الْفَوْرِ، هَلْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا أَمْ لَا؟ إنْ قُلْنَا: الْقَضَاءُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَهُ مَنْعُهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَلْزَمُهُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الِابْتِدَاءِ والثاني يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهَا الْقَضَاءَ.
فرع: ذَكَرَ الْقَفَّالُ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ هُنَا أَنَّ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كَوْنِ الْقَضَاءِ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ عَلَى التَّرَاخِي جَارِيَانِ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ بِعِدْوَانٍ، وأما الْكَفَّارَةُ بِلَا عُدْوَانٍ فَعَلَى التَّرَاخِي وَذَكَرُوا قَضَاءَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا كُلُّهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِ كِتَابِ الصَّوْمِ.
فرع: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجًّا مُفْرَدًا أَوْ عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مَعَ النُّسُكِ الْآخَرِ قَارِنًا، وَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مُتَمَتِّعًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَقْضِيَا عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ، وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْقِرَانِ بِالْقَضَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا أَفْسَدَ الْقَارِنُ لَزِمَهُ الْبَدَنَةُ لِلْإِفْسَادِ، وَيَلْزَمُهُ شَاةٌ لِلْقِرَانِ، وَإِذَا قَضَاهُ قَارِنًا لَزِمَهُ شَاةٌ أُخْرَى لِلْقِرَانِ الثَّانِي، وَإِنْ قَضَاهُ مُفْرِدًا لَزِمَهُ أَيْضًا شَاةٌ أُخْرَى، لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ قَارِنًا، فَلَمَّا أَفْرَدَ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْإِفْرَادِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تعليقه"عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ إذَا أَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ مُفْرِدًا يَلْزَمُهُ مَعَ الْبَدَنَةِ شَاتَانِ، شَاةٌ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لِلْقِرَانِ الْفَاسِدِ، وَشَاةٌ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ وَاجِبَهُ الْقِرَانُ وَفِيهِ شَاةٌ، فَإِذَا عَدَلَ إلَى الْإِفْرَادِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الشَّاةُ، وَكُلُّ الْأَصْحَابِ مُصَرِّحُونَ بِهَذَا، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تعليقه"، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ"التَّعْلِيقُ"و"المجرد"، وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي"الْحَاوِي"، وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي، وَصاحب"البيان"، وَآخَرُونَ وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تعليقه"وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"المجرد": قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا قَضَى الْقَارِنُ نُسُكَيْهِ مُفْرِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ قَالُوا: وَمُرَادُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إسْقَاطُ الدَّمِ عَنْهُ بِالْإِفْرَادِ، بَلْ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ قَضَاهُ مُفْرَدًا لَمْ يُرِدْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْوَاجِبِينَ بِالْقِرَانِ الْفَاسِدِ لَا يَسْقُطَانِ عَنْهُ إفْرَادُهُمَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الدَّمَ لَا يَسْقُطُ، هَكَذَا ذَكَرَ التَّأْوِيلَ هَؤُلَاءِ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"المجرد"عَنْ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا بَسَطْتُ هَذَا الْكَلَامَ بَعْضَ الْبَسْطِ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُوَضِّحَةٍ لِمَقْصُودِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ مُوهِمَةٌ خِلَافَ الصَّوَابِ، وَالْوَهْمُ حَاصِلٌ مِنْ تَعْلِيلِهِ فِي قَوْلِهِ: لَا يَسْقُطُ دَمُ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِفْسَادِ، كَدَمِ الطِّيبِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُوهِمُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ بِسَبَبٍ إفْسَادِ الْقِرَانِ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ مُفْرِدًا دَمٌ آخَرُ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، بَلْ يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ مُفْرِدًا دَمٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَيُجَابُ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الدَّمَ الْوَاجِبَ بِالْقِرَانِ فِي سَنَةِ الْإِفْسَادِ لَا يَسْقُطُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْقَضَاءِ مُفْرِدًا دَمٌ آخَرُ، بَلْ سَكَتَ عَنْ إثْبَاتِهِ وَنَفْيِهِ، فَيَكُونُ سَاكِتًا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ غَلَطًا إنَّمَا هُوَ فَوَاتُ فَضِيلَةٍ وَفَائِدَةٍ. وَاعْلَمْ: أَنَّ صَاحِبَ"الْإِبَانَةِ"حَكَى وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَارِنَ شَاةٌ فِي سَنَةِ الْإِفْسَادِ، لِأَنَّ نُسُكَهُ لَمْ يَصِحَّ قِرَانًا، فَلَمْ يَلْزَمْ الدَّمُ، وَتَابَعَهُ عَلَى حِكَايَتِهِ عَنْهُ