فهرس الكتاب
ج / 8 ص -8- مُهِمٍّ، بِخِلَافِ الرُّكُوبِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ1 عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ، وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ فِي الدُّخُولِ مُتَعَرِّضٌ لَأَنْ يُؤْذِيَ النَّاسَ بِدَابَّتِهِ فِي الزَّحْمَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَإِذَا دَخَلَ مَاشِيًا فَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُ حَافِيًا لَوْ لَمْ يَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ، وَلَا خَافَ نَجَاسَةَ رِجْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ فِيهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الْفَضِيلَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: دُخُولُهَا نَهَارًا أَفْضَلُ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَصَاحِبُ"الْعُدَّةِ"وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْعَبْدَرِيُّ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ الْأَمْرَانِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم تَرْجِيحٌ لِأَحَدِهِمَا وَلَا نَهْيٌ فَكَانَا سَوَاءً، وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ النَّهَارَ بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّتِهِ وَحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَالَ فِي آخِرِهَا:"لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"فَهَذَا تَرْجِيحٌ ظَاهِرٌ لِلنَّهَارِ؛ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ لِلدَّاخِلِ وَأَرْفَقُ بِهِ وَأَقْرَبُ إلَى مُرَاعَاتِهِ لِلْوَظَائِفِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا وَأَسْلَمُ لَهُ مِنْ التَّأَذِّي وَالْإِيذَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ الْوَارِدَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ فأحدهما: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:"بَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ نَافِعٍ:"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ فَعَلَهُ"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوًى وَيَبِيتُ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ".
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَعَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"خَرَجَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ لَيْلًا فَقَضَى عُمْرَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ لِمُحَرِّشٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَثَبَتَ فِي ضَبْطِ مُحَرِّشٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي"الِاسْتِيعَابِ"أَصَحُّهَا: وَأَشْهُرُهَا وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا. مُحَرِّشٌ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ - والثاني: مِحْرَشٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالثَّالِثُ: مِخْرَشٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَادَّعَى أَنَّهُ الصَّوَابُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ اسْتَحَبَّ دُخُولَهَا نَهَارًا ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المقصود بالركوب في الطريق هو السفر إلى مكة من موطنه فالركوب أفضل على المذهب وأما عند الدخول إلى مكة فالمشي أفضل (ط) .