فهرس الكتاب
ج / 8 ص -10- أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَاعْلَمْ أَنَّ بِنَاءَ الْبَيْتِ زَادَهُ اللَّهُ فَضْلًا وَشَرَفًا رَفِيعًا، يُرَى قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فِي مَكَان يُقَالُ لَهُ رَأْسُ الرَّدْمِ إذَا دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَهُنَاكَ يَقِفُ وَيَدْعُو، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا رَأَى الْبَيْتَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيَدْعُو مَعَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَهَمُّهَا سُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي"جَامِعِه"ِ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تَعْلِيقِهِ"، وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي"جَامِعِهِ"، وَالدَّارِمِيُّ فِي"الِاسْتِذْكَارِ"، وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي"الْحَاوِي"، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"الْمُجَرَّدِ"، وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ"الْعُدَّةِ"وَآخَرُونَ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"الْمُجَرَّدِ": نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"الْجَامِعِ الْكَبِير"ِ.
وَقَالَ صَاحِبُ"الشَّامِلِ": يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ هَذَا الدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ: لَا أَكْرَهُهُ وَلَا أَسْتَحِبُّهُ، وَلَكِنْ إنْ رَفْعَ كَانَ حَسَنًا. هَذَا نَصُّهُ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّصَّ مَحْمُولٌ عَلَى وَفْقِ النَّصِّ الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَقَدْ قَدَّمْت فِي آخِرِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فَصْلًا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِمْ، وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيّ فِي"الْمُخْتَصَرِ"فَغَيَّرَهُ فَقَالَ:"وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعِظَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً1"وَقَدْ كَرَّرَ الْمَهَابَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقِينَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُزَنِيِّ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الثَّانِي: وَبِرًّا، لِأَنَّ الْمَهَابَةَ تَلِيقُ بِالْبَيْتِ وَالْبِرُّ يَلِيقُ بِالْإِنْسَانِ. وَهَكَذَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي"الْأُمِّ". وَمِمَّنْ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى تَغْلِيطِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبُ الْبَيَانِ. وَكَذَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ. وَوَقَعَ فِي"الْوَجِيز"ِ ذِكْرُ الْمَهَابَةِ وَالْبِرِّ جَمِيعًا فِي الْأَوَّلِ، وَذُكِرَ الْبِرُّ وَحْدَهُ ثَانِيًا، وَهَذَا أَيْضًا مَرْدُودٌ، وَالْإِنْكَارُ فِي ذِكْرِهِ الْبِرَّ فِي الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ"الْمُجَرَّدِ": التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ لَا يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ أَصْلًا، قَالَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إذَا رَآهَا كَبَّرَ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
فرع: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ"الْمُجَرَّدِ"قَوْلُهُ:"اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ"الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَقَوْلُهُ:"وَمِنْك السَّلَامُ"أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ، وَقَوْلُهُ:"حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ"أَيْ اجْعَلْ تَحِيَّتَنَا فِي وُفُودِنَا عَلَيْك السَّلَامَةَ مِنْ الْآفَاتِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْفَعُ، وَقَدْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ش و ق (زود من شرفه وعظمته) (ط) .