فهرس الكتاب
ج / 8 ص -34- أَنْ يُكَبِّرَ وَيُقَبِّلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي مَحَلٍّ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ كَالِاسْتِلَامِ. وَيُسْتَحَبُّ إذَا اسْتَلَمَ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ قَالَ:"رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِيَدِهِ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكَتْهُ مُنْذُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ:"عِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي مَلَكٌ قَائِمٌ يَقُولُ آمِينَ آمِينَ. فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
الشرح: جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ سَبَقَ بَيَانُهَا وَاضِحَةً فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، إلَّا مَسْأَلَةَ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ، وَسَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَبْسُوطَةً مَعَ مَسْأَلَةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَسَبَقَ بَيَانُ حَدِيثَيْ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا، وَلَفْظُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ. قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ".
وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَغَرِيبٌ، لَكِنْ يُغْنِي عَنْهُ أَجْوَدُ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ رضي الله عنه قَالَ:"سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201] رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ رَجُلَانِ لَمْ يَتَكَلَّمْ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ عِنْدَهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"الرُّكْنُ الْيَمَانِي"هُوَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَكَذَا الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَانِ - بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ - قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجُوزُ تَشْدِيدُهَا لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ إلَى الْيَمَنِ، فَجُعِلَتْ الْأَلِفُ عِوَضًا مِنْ إحْدَى يَاءَيْ النَّسَبِ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَشْدِيدَهَا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، وَتَكُونُ الْأَلِفُ زَائِدَةً، كَمَا زِيدَتْ الْأَلِفُ وَالنُّونُ فِي رَقَبَانِي مَنْسُوبٌ إلَى الرَّقَبَةِ وَنَظَائِرُهُ. قَوْلُهُ:"وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ بُنِيَ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ"احْتِرَازٌ مِنْ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ."
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يُسْتَحَبُّ إذَا اسْتَلَمَ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ فَكَلَامٌ نَاقِصٌ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَسْتَلِمَ وَيُقَبِّلَ، فَإِذَا قَبَّلَهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَبِّلَ الْيَدَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّقْبِيلُ اسْتَلَمَ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، لَكِنْ عِبَارَتُهُ نَاقِصَةٌ.
أما الأحكام: فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا سَبَقَتْ وَاضِحَةً إلَّا مَسْأَلَتَيْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ، وَالدُّعَاءِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ فَأَمَّا: الدُّعَاءُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَهُمَا الْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِي، فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَ الِاسْتِحْبَابُ، وَأَفْضَلُهُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ:"أَنَّ هَذَا كَانَ أَكْثَرَ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَأَمَّا الدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ": الدُّنُوُّ مُسْتَحَبٌّ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ"أحدها": أَنَّ الْبَيْتَ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ، فَالدُّنُوُّ مِنْهُ أَفْضَلُ والثاني: أَنَّهُ أَيْسَرُ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ الْبَيْتِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ الْبُعْدِ. فَكَذَا فِي الطَّوَافِ.