فهرس الكتاب
ج / 8 ص -49- أَصْحَابِنَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَا تَعَلُّقَ لِلصَّلَاةِ بِالتَّحَلُّلِ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ، صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَقَطَعَ بِهِ سَائِرُ الْأَصْحَابِ، وَالْأَوَّلُ غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَإِنَّمَا أَذْكُرُهُ لِأُبَيِّنَ بُطْلَانَهُ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى صِحَّةِ السَّعْيِ قَبْلَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَوَافَقَ عَلَيْهِ الدَّارِمِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ"وَالدَّارِمِيُّ وَآخَرُونَ.
فرع: إذَا أَرَادَ أَنْ يَطُوفَ فِي الْحَالِ طَوَافَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ كُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِلَا صَلَاةٍ ثُمَّ صَلَّى لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ جَازَ، لَكِنْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ الصَّيْمَرِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبَا"الْعُدَّةِ"و"الْبَيَانِ"وَغَيْرُهُمْ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَرَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ.
قَالَ صَاحِبُ"الْبَيَانِ": قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَوْ طَافَ أَسَابِيعَ مُتَّصِلَةً ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ جَازَ، قَالَ صَاحِبُ"الْبَيَانِ": فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا قُلْنَا: هُمَا سُنَّةٌ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الَّذِي قَالَهُ مُتَعَيَّنٌ، فَإِنَّا إذَا قُلْنَا هُمَا وَاجِبَتَانِ لَمْ يَتَدَاخَلَا، وَلَا بُدَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ طَوَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: تَمْتَازُ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ بِشَيْءٍ، وَهِيَ أَنَّهَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، فَإِنَّ الْأَجِيرَ فِي الْحَجِّ يُصَلِّيهَا وَتَقَعُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَأَشْهَرِهِمَا والثاني: أَنَّهَا تَقَعُ عَنْ الْأَجِيرِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِ الْحَجِّ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَلَاةٌ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ غَيْرُ هَذِهِ، هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْأَجِيرِ وَلِيُّ الصَّبِيِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْفَرْعِ الْمُتَّصِلِ بِهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مُحْرِمًا، فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا طَافَ بِنَفْسِهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ طَافَ بِهِ وَلِيُّهُ وَصَلَّى الْوَلِيُّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ، وَسَبَقَ إيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي مَسَائِلِ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَهَلْ تَقَعُ صَلَاةُ الْوَلِيِّ هَذِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ الصَّبِيِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ"الْبَيَانِ"وَغَيْرُهُ أحدهما: عَنْ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلنِّيَابَةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَصَحُّهُمَا: عَنْ الصَّبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ تَبَعًا لِلطَّوَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ عَقِبَ صَلَاتِهِ هَذِهِ خَلْفَ الْمَقَامِ مِمَّا أَحَبَّ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، قَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا بَلَدُكَ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَبَيْتُكَ الْحَرَامُ، وَأَنَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، أَتَيْتُكَ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ وَخَطَايَا جَمَّةٍ وَأَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ فَاغْفِرْ لِي إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ عِبَادَكَ إلَى بَيْتِكِ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُ طَالِبًا رَحْمَتَكَ مُبْتَغِيًا مَرْضَاتَكَ، وَأَنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
فرع: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا