فهرس الكتاب
ج / 8 ص -50- لِلسَّعْيِ. وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ وَاضِحَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ فَصْلِ السَّعْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالطَّوَافِ.
إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: مَتَى كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَنَوَى غَيْرَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ تَطَوُّعًا أَوْ وَدَاعًا أَوْ قَدْرَ مَا وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُمَا فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ الْفَرْضُ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ فَطَافَ عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي"الْبَحْرِ": إنْ كَانَ زَمَانُ النَّذْرِ مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَطُوفَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنًا وَطَافَ فِي غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلنَّذْرِ. فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَطُوفَ عَنْ غَيْرِهِ وَالنَّذْرُ فِي ذِمَّتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي"الْأُمِّ"، وَفِي"الْإِمْلَاءِ"وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ: لَوْ طَافَ الْمُحْرِمُ وَهُوَ لَابِسٌ الْمَخِيطَ وَنَحْوَهُ صَحَّ طَوَافُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ اللُّبْسِ لَا يَخْتَصُّ بِالطَّوَافِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هُوَ كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ يَأْثَمُ وَتَصِحُّ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"وَالْأَصْحَابُ: يُكْرَهُ أَنْ يُسَمَّى الطَّوَافُ شَوْطًا وَكَرِهَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَرِهَ مُجَاهِدٌ أَنْ يُقَالَ شَوْطٌ أَوْ دَوْرٌ، وَلَكِنْ يَقُولُ طَوَافٌ وَطَوَافَانِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَكْرَهُ مَا كَرِهَ مُجَاهِدٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ طَوَافًا فَقَالَ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"و"مُسْلِمٍ"عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:"أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ"وَهَذَا الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: ثُمَّ إنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِنَهْيِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَسْمِيَتِهِ شَوْطًا نَهْيٌ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّطَوُّعِ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": الطَّوَافُ أَفْضَلُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ"أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ"أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: الصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ أَبُو دَاوُد فِي"سُنَنِهِ"، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارُ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ"هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ صَحِيحٌ إلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ فَضَعَّفَهُ أَكْثَرُهُمْ ضَعْفًا يَسِيرًا، وَلَمْ يُضَعِّفْ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ، فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ كَمَا سَبَقَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى بِحَدِيثٍ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.