فهرس الكتاب
ج / 8 ص -61- إلَى بَلَدِهِ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِهِ كَانَ عَلَى إحْرَامِهِ. الثَّانِي: أَنْ يَتْرُكَهُ مِنْ أَوَّلِ السَّابِعَةِ فَيَلْزَمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالسَّابِعَةِ بِكَمَالِهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا، كَمَنْ تَرَكَ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ الْفَاتِحَةِ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ بِكَمَالِهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَتْرُكَهُ مِنْ وَسَطِ السَّابِعَةِ فَيَحْسُبَ مَا مَضَى مِنْهَا وَيَلْزَمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا تَرَكَهُ وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخِرِ السَّابِعَةِ.
وَلَوْ تَرَكَ ذِرَاعًا مِنْ السَّادِسَةِ لَمْ تُحْسَبْ السَّابِعَةُ، لِأَنَّهَا لَا تُحْسَبُ حَتَّى تَصِحَّ السَّادِسَةُ. وَأَمَّا السَّادِسَةُ فَحُكْمُهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي السَّابِعَةِ إذَا تَرَكَ مِنْهَا ذِرَاعًا، وَيَجِيءُ فِيهَا الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَاجِبُ الثَّالِثُ: إكْمَالُ سَبْعِ مَرَّاتٍ يَحْسُبُ الذَّهَابَ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةً، وَالرُّجُوعَ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَالْعَوْدَ إلَى الْمَرْوَةِ ثَالِثَةً، وَالْعَوْدَ إلَى الصَّفَا رَابِعَةً، وَإِلَى الْمَرْوَةِ خَامِسَةً وَإِلَى الصَّفَا سَادِسَةً، وَمِنْهُ إلَى الْمَرْوَةِ سَابِعَةً، فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَبِهِ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَحْسُبُ الذَّهَابَ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ، وَالْعَوْدَ مِنْهَا إلَى الصَّفَا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَتَكُونُ الْمَرَّةُ مِنْ الصَّفَا إلَى الصَّفَا، كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَكُونُ الْمَرَّةُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَكَمَا أَنَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ يُحْسَبُ الذَّهَابُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ وَالرُّجُوعُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ. وَقَالَ بِهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ.
دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ": أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"سَعَى سَبْعًا، بَدَأَ بِالصَّفَا وَفَرَغَ عَلَى الْمَرْوَةِ"وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَحْصُلُ فِيهِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ كُلِّهَا إلَّا بِالْمُرُورِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَأَمَّا هُنَا فَيَحْصُلُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ كُلِّهَا بِالْمُرُورِ إلَى الْمَرْوَةِ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى الصَّفَا حَصَلَ قَطْعُهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَحَسَبَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي حِكَايَةِ قَوْلِ الصَّيْرَفِيِّ، فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ: يُحْسَبُ الذَّهَابُ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَالْعَوْدَةُ إلَى الصَّفَا، كِلَاهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُحْسَبُ أَحَدُهُمَا مَرَّةً. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ"أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَصَلَ الْمَرْوَةَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى حَصَلَ لَهُ مَرَّةٌ مِنْ السَّبْعِ، قَالَ: وَعَوْدُهُ إلَى الصَّفَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُحْسَبُ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَصُّلٌ إلَى السَّعْيِ، قَالَ: حَتَّى لَوْ عَادَ مَارًّا فِي الْمَسْجِدِ لَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ جَازَ، وَحُسِبَ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْجُمْهُورِ، وَالرِّوَايَتَانِ عَنْهُ بَاطِلَتَانِ، وَالصَّوَابُ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ الذَّهَابَ مَرَّةٌ وَالْعَوْدَ أُخْرَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ سَعَى أَوْ طَافَ وَشَكَّ فِي الْعَدَدِ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ، فَلَوْ اعْتَقَدَ إتْمَامَ سَعْيِهِ فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَوْ عَدْلَانِ بِبَقَاءِ شَيْءٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.