فهرس الكتاب

الصفحة 2749 من 4102

ج / 8 ص -62- الْوَاجِبُ الرَّابِعُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ هُوَ الْوَاقِعُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَنَاسِكِ، فَإِذَا بَقِيَ السَّعْيُ لَمْ يَكُنْ الْمَفْعُولُ طَوَافَ الْوَدَاعِ. وَاسْتَدَلَّ الْمَاوَرْدِيُّ لِاشْتِرَاطِ كَوْنِ السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَشَذَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ"الْأَسَالِيبِ": قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: لَوْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ اعْتَدَّ بِالسَّعْيِ، وَهَذَا النَّقْلُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ مَرْدُودٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَبِالْإِجْمَاعِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ نَقْلِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ صَاحِبُ"الْبَيَانِ": قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ: يَجُوزُ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ لِخُرُوجِهِ إلَى مِنًى أَنْ يُقَدِّمَ السَّعْيَ بَعْدَ هَذَا الطَّوَافِ، قَالَ وَبِمَذْهَبِنَا هَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَادِمِ. دَلِيلُنَا أَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ خَارِجِ مَكَّةَ جَازَ لِلْمُحْرِمِ مِنْهَا. هَذَا نَقْلُ صَاحِبِ"الْبَيَانِ"، وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ مَا يُوَافِقُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْإِفَاضَةِ كَمَا سَبَقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ سَعَى ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّوَافِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَقِيَّةِ الطَّوَافِ إنْ قُلْنَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَإِلَّا فَيَسْتَأْنِفُ، فَإِذَا أَتَى بِبَقِيَّتِهِ أَوْ اسْتَأْنَفَهُ أَعَادَ السَّعْيَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ مَرَاتِبِ السَّعْيِ سُنَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَلَوْ تَخَلَّلَ فَصْلٌ يَسِيرٌ أَوْ طَوِيلٌ بَيْنَهُنَّ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ شَهْرًا أَوْ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ فَرَّقَ يَسِيرًا جَازَ، وَإِنْ فَرَّقَ كَثِيرًا، فَإِنْ جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ الْكَثِيرَ بَيْنَ مَرَّاتِ الطَّوَافِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَهَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَفِي السَّعْيِ وَجْهَانِ أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ: لَا يَجُوزُ والثاني: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ أَخَفُّ مِنْ الطَّوَافِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ، هَذَا نَقْلُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ إنْ فَرَّقَ يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ وَجَازَ الْبِنَاءُ، وَكَذَا إنْ فَرَّقَ كَثِيرًا لِعُذْرٍ، كَالْخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ فَرَّقَ كَثِيرًا بِلَا عُذْرٍ فَقَوْلَانِ. قَالَ فِي"الْأُمِّ": يَبْنِي، وَفِي"الْقَدِيمِ"يَسْتَأْنِفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَسُنَّةٌ، فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا جَازَ وَصَحَّ سَعْيُهُ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ، فَإِنْ تَخَلَّلَ الْوُقُوفُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْعَى بَعْدَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِالِاتِّفَاقِ صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ"الْعُدَّةِ"وَآخَرُونَ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي"الْوَسِيطِ"فِيهِ تَرَدُّدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخُهُ التَّرَدُّدَ، بَلْ حَكَى قَوْلَ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ. وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ دَخَلَ وَقْتَ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْعَى سَعْيًا تَابِعًا لِطَوَافِ نَفْلٍ مَعَ إمْكَانِ طَوَافِ فَرْضٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ سُنَّةٌ، وَأَنَّهُ لَوْ تَخَلَّلَ زَمَانٌ طَوِيلٌ كَسَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ جَازَ أَنْ يَسْعَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت