فهرس الكتاب

الصفحة 2753 من 4102

ج / 8 ص -66- الْمُؤَمِّلِ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وَرَفْعُ الْجُنَاحِ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا وَاجِبٌ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّهُنَّ سَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ فِي الْمَسْعَى وَقَالَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ مَا أَجَابَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها لَمَّا سَأَلَهَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ هَذَا فَقَالَتْ"إنَّمَا نَزَلَتْ الْآيَةُ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيْ يَخَافُونَ الْحَرَجَ فِيهِ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فرع: لَوْ سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَصِحُّ، حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ عَطَاءٍ وَدَاوُد. دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ".

وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ شَرِيكٍ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه قَالَ:"خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمِنْ قَائِلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا، فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَجَ إلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي هَلَكَ وَحَرِجَ"فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كُلُّ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إلَّا أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ الصَّحَابِيَّ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَيْ سَعَيْتُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي السَّعْيِ شَرْطٌ، فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا، فَلَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِالْمَرْوَةِ. وَعَنْ عَطَاءٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: كَمَذْهَبِنَا وَالثَّانِيَةُ: يَجْزِي الْجَاهِلَ. دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ: لَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ قَطَعَهُ وَصَلَّاهَا ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُهُ سَالِمٌ وَعَطَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْطَعُهُ لِلصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهَا.

فرع: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ السَّعْيَ يَصِحُّ مِنْ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ أَعَادَ السَّعْيَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِعَائِشَةَ رضي الله عنها وَقَدْ حَاضَتْ:"اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت