فهرس الكتاب
ج / 8 ص -88- يَعْنِي الصُّبْحَ - وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَالْجَوَابُ: عَنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَجِبُ لَكِنْ يُجْبَرُ بِدَمٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ طَرِيقُ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
الْخَامِسَةُ: وَقْتُ الْوُقُوفِ بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْعَبْدَرِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَقْتُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَطُلُوعِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ السَّابِقِ قَرِيبًا فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى الْيَوْمِ، وَمَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ. قَالُوا: وَحَدِيثُ عُرْوَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ وَقَفَ بِبَطْنِ عَرَفَةَ لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ. وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ: هَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَصْحَابُنَا مِنْ مَالِكٍ لَمْ أَرَهُ لَهُ، بَلْ مَذْهَبُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، قَالَ: وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ بِعُرَنَةَ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ عَرَفَةَ"وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا لِأَنَّ فِيهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى تَضْعِيفِ الْقَاسِمِ هَذَا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ كَذَّابٌ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ، فَتَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ مَتْرُوكٌ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ هُوَ ضَعِيفٌ لَا يُسَاوِي شَيْئًا مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ. وَرَوَاهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي"الْمُسْتَدْرَكِ"مَرْفُوعًا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ1، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَا إسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، وَلَمْ يَرْوِ لَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قُلْتُ: فَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى مَالِكٍ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أحدها: الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ، فَإِنَّ الْمُرْسَلَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ والثاني: الْمَوْقُوفُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الَّذِي قُلْنَا بِهِ مِنْ تَحْدِيدِ عَرَفَاتٍ مُجْمَعٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال الحاكم أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو ثنا أحمد بن محمد سيار ثنا محمد بن كثير ثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن أبي الزبير عن أبي معبد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعوا عن بطن عرنة وارفعوا عن بطن محسر - ثم قال - هذا بإسناد صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وشاهده على شرط الشيخين صحيح إلا أن فيه تقصيرًا في سنده. وساق الشاهد الموقوف على ابن عباس (ط) .