فهرس الكتاب

الصفحة 2781 من 4102

ج / 8 ص -94- وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَنِصْفُهُ فِي الْآخَرِ، فَإِنْ خَافَهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَلْ يَجْمَعُ بِالنَّاسِ فِي الطَّرِيقِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ"الْجَامِعِ"وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ"التَّعْلِيقِ"و"الْمُجَرَّدِ"وَصَاحِبَا"الشَّامِلِ"و"الْعُدَّةِ"وَصَاحِبُ"الْبَيَانِ"وَآخَرُونَ، وَنَقَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ"عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَهُ صَاحِبَا"الشَّامِلِ"و"الْبَيَانِ"عَنْ نَصِّهِ فِي"الْإِمْلَاءِ"، وَلَعَلَّ إطْلَاقَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِيَتَّفِقَ قَوْلُهُمْ مَعَ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ الْكَثِيرَةُ الْكَبِيرَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: السُّنَّةُ إذَا وَصَلُوا مُزْدَلِفَةَ أَنْ يُصَلُّوا قَبْلَ حَطِّ رِحَالِهِمْ وَيُنِيخُ كُلُّ إنْسَانٍ جَمَلَهُ وَيَعْقِلُهُ ثُمَّ يُصَلُّونَ، لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ تَوَضَّأَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَكِبَ حَتَّى جِئْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَصَلَّى ثُمَّ حَلُّوا".

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ تَرَكَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَصَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوْ جَمَعَ وَحْدَهُ لَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ صَلَّى إحْدَاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ وَالْأُخْرَى وَحْدَهُ جَامِعًا بَيْنَهُمَا، أَوْ صَلَّاهُمَا فِي عَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ. وَإِنْ جَمَعَ فِي الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ أَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَا يُؤَذِّنُ لِلثَّانِيَةِ. وَفِي الْأَذَانِ لِلْأُولَى الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِيمَنْ جَمَعَ فِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَالْأَصَحُّ أَنْ يُؤَذِّنَ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي بَابِ الْأَذَانِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحَادِيثُهُ مَشْهُورَةٌ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"، فَمِمَّنْ رَوَى فِي"صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ"و"مُسْلِمٍ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"جَمَعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ عُمَرَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

السَّادِسَةُ: إذَا وَصَلُوا مُزْدَلِفَةَ وَحَلُّوا بَاتُوا بِهَا، وَهَذَا الْمَبِيتُ نُسُكٌ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أَصَحُّهُمَا: وَاجِبٌ والثاني: سُنَّةٌ؟. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ طُرُقٍ أَصَحُّهَا: قَوْلَانِ كَمَا ذَكَرْنَا والثاني: الْقَطْعُ بِالْإِيجَابِ وَالثَّالِثُ: بِالِاسْتِحْبَابِ، فَإِنْ تَرَكَهُ أَرَاقَ دَمًا، فَإِنْ قُلْنَا الْمَبِيتُ وَاجِبٌ فَالدَّمُ لِتَرْكِهِ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَسُنَّةٌ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِرُكْنٍ، فَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّ حَجُّهُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ إمَامَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا: هُوَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَأَمَّا ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ، حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ"، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَشَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إلَى تَرْجِيحِهِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ فَيَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت