فهرس الكتاب
ج / 8 ص -99- قَالَ أَصْحَابُنَا: وَاسْتُحِبَّ الْإِسْرَاعُ فِيهِ لِلِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّ وَادِيَ مُحَسِّرٍ كَانَ مَوْقِفَ النَّصَارَى فَاسْتُحِبَّتْ مُخَالَفَتُهُمْ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَانَ يُوضِعُ وَيَقُولُ:
إلَيْك تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَعْنِي الْإِيضَاعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَمَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ أَنَّ نَاقَتِي تَعْدُو إلَيْك يَا رَبِّ مُسْرِعَةً فِي طَاعَتِك قَلِقًا وَضِينُهَا، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي كَالْحِزَامِ، وَإِنَّمَا صَارَ قَلِقًا مِنْ كَثْرَةِ السَّيْرِ وَالْإِقْبَالِ التَّامِّ وَالِاجْتِهَادِ الْبَالِغِ فِي طَاعَتِك، وَالْمُرَادُ صَاحِبُ النَّاقَةِ. وَقَوْلُهُ:"مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا"بِنَصْبِ دِينِ النَّصَارَى وَرَفْعِ دِينِهَا، أَيْ إنِّي لَا أَفْعَلُ فِعْلَ النَّصَارَى وَلَا أَعْتَقِدُ اعْتِقَادَهُمْ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي"تَعْلِيقِهِ": يُسْتَحَبُّ لِلْمَارِّ بِوَادِي مُحَسِّرٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ رضي الله عنه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ مَسَافَةَ اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَاعِ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ بِقَدْرِ رَمْيَةِ حَجَرٍ، فَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي"مُوَطَّأِ"مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ"كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ"وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"لَمَّا انْتَهَى إلَى وَادِي مُحَسِّرٍ قَرَعَ رَاحِلَتَهُ فَخَبَّتْ حَتَّى جَاوَزَ الْوَادِيَ"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ سَائِرًا إلَى مِنًى. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ إلَى الْعَقَبَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَخْرُجُ إلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِسْرَاعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ سُنَّةٌ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي خِلَافَهَا، فَمِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُثْبِتَةِ لِلْإِسْرَاعِ حَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"دَفَعَ مِنْ الْمَشْعَرِ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ".
وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"أَفَاضَ مِنْ قُزَحَ حَتَّى انْتَهَى إلَى وَادِي مُحَسِّرٍ، فَقَرَعَ نَاقَتَهُ فَخَبَّتْ حَتَّى جَاوَزَ الْوَادِيَ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَفَعَ مِنْ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ حَتَّى إذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَوْضَعَ شَيْئًا"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه"كَانَ يُوضِعُ، قَالَ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُوضِعُ أَشَدَّ الْإِيضَاعِ أَخَذَهُ عَنْ عُمَرَ"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: يَعْنِي الْإِيضَاعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ. وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ"وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ قَالَ: وَرَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهم.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُعَارِضَةُ فَمِنْهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"إنَّمَا كَانَ بَدْءُ الْإِيضَاعِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانُوا"