فهرس الكتاب
ج / 8 ص -105- يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْجَمْرَةِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ، وَبِهَذَا جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تَعْلِيقِهِ"، وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ"الْبَيَانِ"وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ. وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَتَكُونُ الْجَمْرَةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ"انْتَهَى إلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ وَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ"رَمَى عَبْدُ اللَّهِ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا فَقَالَ: وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ"وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ حِين رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِي حَتَّى إذَا حَاذَى الشَّجَرَةَ اعْتَرَضَهَا فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَهُنَا - وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ - قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ"قُلْتُ إنَّمَا خَصَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَنَاسِكِ فِيهَا. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ."
الرَّابِعَةُ: السُّنَّةُ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، إنْ كَانَ قَدِمَ مِنًى رَاكِبًا، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ.
الْخَامِسَةُ: السُّنَّةُ أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَيَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ الْقَفَّالُ: إذَا رَحَلُوا مِنْ مُزْدَلِفَةَ خَلَطُوا التَّلْبِيَةَ بِالتَّكْبِيرِ فِي مَسِيرِهِمْ، فَإِذَا افْتَتَحُوا الرَّمْيَ مَحَّضُوا التَّكْبِيرَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِ الْقَفَّالِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ فِي هَذَا التَّكْبِيرِ مَعَ الرَّمْيِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ غَرِيبٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَإِنَّمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَهَذَا مُقْتَضَاهُ مُطْلَقُ التَّكْبِيرِ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ طَوِيلٌ لَا يَحْسُنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحَصَيَاتِ بِهِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ فَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ وَالطَّوَافَ عَلَى الرَّمْيِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ بِشُرُوعِهِ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ، وَكَذَا فِي أَوَّلِ الْحَلْقِ إذَا بَدَأَ بِهِ، وَقُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ، لِأَنَّهُمَا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَذَا الْمُعْتَمِرُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِشُرُوعِهِ فِي الطَّوَافِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ تَحَلُّلِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، فَلَوْ رَمَى بِالْيُسْرَى أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الرَّمْيِ، وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِ الْيُمْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّيَمُّنِ فِي الطَّهُورِ وَالتَّنَعُّلِ وَاللِّبَاسِ وَنَحْوِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: شَرْطُ الْمَرْمِيِّ بِهِ أَنْ يَكُونَ حَجَرًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِالْمَرْمَرِ