فهرس الكتاب
ج / 8 ص -112- ذَبْحِهِ. وَأَمَّا صِفَةُ الذَّبْحِ وَآدَابِهِ وَتَقْلِيدُ الْهَدْيِ وَإِشْعَارُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ فَسَنُوَضِّحُهَا فِي بَابِ الْهَدْيِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا وَقْتُ ذَبْحِ الْهَدْيِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ كَوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَدْخُلُ بَعْدَ طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِ النَّحْرِ وَمُضِيِّ قَدْرِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْخُطْبَتَيْنِ وَيَخْرُجُ بِخُرُوجِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ خَرَجَتْ وَلَمْ يَذْبَحْهُ فَإِنْ كَانَ نَذْرًا لَزِمَهُ ذَبْحُهُ وَيَكُونُ قَضَاءً، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَقَدْ فَاتَ الْهَدْيُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَإِنْ ذَبَحَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ كَانَ شَاةَ لَحْمٍ لَا هَدْيًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ بَلْ يَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَفِيهِ وَبَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَدِمَاءِ الْجُبْرَانَاتِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ ذَبْحَ الْهَدْيِ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحَرَمِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمِنًى قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَنْحَرٌ حَيْثُ نَحَرَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لَكِنَّ السُّنَّةَ فِي الْحَجِّ أَنْ يَنْحَرَ بِمِنًى لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ، وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ وَأَفْضَلُهَا عِنْدَ الْمَرْوَةِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"يَجُوزُ النَّحْرُ فِي جَمِيعِ مِنًى، فَعِبَارَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ بِمِنًى دُونَ سَائِرِ الْحَرَمِ، وَهَذَا الْإِيهَامُ غَلَطٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ فِي كُلِّ الْحَرَمِ وَأَفْضَلُهُ مِنًى. وَأَفْضَلُهَا مَوْضِعُ نَحْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَا قَارَبَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ثُمَّ يَحْلِقُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ:"لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجَمْرَةَ وَفَرَغَ مِنْ نُسُكِهِ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ ثُمَّ أَعْطَاهُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ"فَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ وَقَصَّرَ جَازَ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا"وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ. قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: وَالْمُقَصِّرِينَ"وَأَقَلُّ مَا يُحْلَقُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ. لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَأَشْبَهَ الْجَمْعَ. وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحْلِقَ الْجَمِيعَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ. وَإِنْ كَانَ أَصْلَعَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ"قَالَ فِي الْأَصْلَعِ: يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ"وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ فَسَقَطَتْ بِفَوَاتِهِ كَغَسْلِ الْيَدِ إذَا قُطِعَتْ
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً قَصَّرَتْ وَلَمْ تَحْلِقْ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ تَقْصِيرٌ"وَلِأَنَّ الْحَلْقَ فِي النِّسَاءِ مُثْلَةٌ فَلَمْ يُفْعَلْ وَهَلْ الْحِلَاقُ نُسُكٌ أَوْ اسْتَبَاحَهُ مَحْظُورٍ فِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي الْإِحْرَامِ فَلَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَالطِّيبِ. والثاني: أَنَّهُ نُسُكٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ:"لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ"فَإِنْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ جَازَ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ:"وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى"