فهرس الكتاب
ج / 8 ص -152- فِي نَوَاحِيه كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ"قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ فِي إثْبَاتِ الصَّلَاةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ فَقُدِّمَ عَلَى النَّافِي، وَلِأَنَّهُ شَاهَدَ بِعَيْنِهِ مَا لَمْ يُشَاهِدْهُ أُسَامَةُ، وَسَبَبُهُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ قَرِيبًا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ صَلَّى، رَاقَبَهُ فِي ذَلِكَ فَرَآهُ يُصَلِّي، وَكَانَ أُسَامَةُ مُتَبَاعِدًا مُشْتَغِلًا بِالدُّعَاءِ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ فَلَمْ يَرَ الصَّلَاةَ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ، لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:"أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ تَقُولُ: عَجَبًا لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ إذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ كَيْفَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّقْفِ؟ يَدَعُ ذَلِكَ إجْلَالًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِعْظَامًا، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْكَعْبَةَ مَا خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ."
وَأَمَّا حَدِيثُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ:"قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ؟ قَالَ لَا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيِّبُ النَّفْسِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيَّ وَهُوَ حَزِينٌ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْت مِنْ عِنْدِي وَأَنْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ إنِّي دَخَلْت الْكَعْبَةَ وَوَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُهُ، إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَتْعَبْت أُمَّتِي بَعْدِي"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا كَانَ فِي حَجَّتِهِ صلى الله عليه وسلم وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي عُمْرَتِهِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: يَنْبَغِي لِدَاخِلِ الْكَعْبَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا خَاشِعًا خَاضِعًا، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَرْضِ وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ وَالْأَمَانِ، وَيَدْخُلُ حَافِيًا وَيُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ السَّابِقِ، وَهُوَ مُقَابِلُ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى ثَلَاثِ أَذْرُعٍ مِنْ الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ لِلْبَابِ.
فرع: قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الْكَعْبَةِ، وَأَنَّ النَّفَلَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ خَارِجِهَا، وَكَذَا الْفَرْضُ الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ جَمَاعَةٌ.
فرع: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ دُخُولِ الْحِجْرِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَالدُّعَاءِ، لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ أَوْ بَعْضُهُ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِيهِ.
فرع: إذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ الِاغْتِرَارِ بِمَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فِي الْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رحمه الله ابْتَدَعَ مِنْ قَرِيبٍ بَعْضُ الْفَجَرَةِ الْمُخْتَالِينَ فِي الْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ أَمْرَيْنِ بَاطِلَيْنِ عَظُمَ ضَرَرُهُمَا عَلَى الْعَامَّةِ أحدهما: مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، عَمَدُوا إلَى مَوْضِعٍ عَالٍ مِنْ جِدَارِ الْبَيْتِ الْمُقَابِلِ لِبَابِ الْبَيْتِ فَسَمَّوْهُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَأَوْقَعُوا فِي نُفُوسِ الْعَامَّةِ أَنَّ مَنْ نَالَهُ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَأَحْوَجُوهُمْ إلَى مُقَاسَاةِ عَنَاءٍ وَشِدَّةٍ فِي الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرُبَّمَا صَعِدَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى ظَهْرِ الرَّجُلِ، وَلَامَسَتْ الرِّجَالَ وَلَامَسُوهَا، فَلَحِقَهُمْ بِذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنْ الضَّرَرِ دِينًا وَدُنْيَا الثَّانِي: مِسْمَارٌ فِي وَسَطِ الْكَعْبَةِ سَمَّوْهُ سُرَّةَ الدُّنْيَا، وَحَمَلُوا الْعَامَّةَ عَلَى أَنْ يَكْشِفَ أَحَدُهُمْ سُرَّتَهُ وَيَنْبَطِحَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ الْمِسْمَارِ، لِيَكُونَ وَاضِعًا سُرَّتَهُ عَلَى سُرَّةِ الدُّنْيَا، قَاتَلَ اللَّهُ وَاضِعَ ذَلِكَ وَمُخْتَرِعَهُ. هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَمَا قَالَ فَهُمَا أَمْرَانِ بَاطِلَانِ أَحْدَثُوهُمَا لِأَغْرَاضٍ فَاسِدَةٍ وَلِلتَّوَصُّلِ إلَى سُحْتٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْعَامَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.