ج / 8 ص -216- الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي"جَامِعِهِ"وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ أَهْلَ مِنَى كَغَيْرِهِمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"وَمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"ضَحَّى فِي مِنًى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: التَّضْحِيَةُ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ فَإِذَا ضَحَّى أَحَدُهُمْ حَصَّلَ سُنَّةَ التَّضْحِيَةِ فِي حَقِّهِمْ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ لَا يُضَحَّى بِهَا إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، لَكِنْ إذَا ضَحَّى بِهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَأَتَّى الشِّعَارُ وَالسُّنَّةُ لِجَمِيعِهِمْ، قَالَ وَعَلَى هَذَا حُمِلَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ قَالَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ"قَالَ وَكَمَا أَنَّ الْفَرْضَ يَنْقَسِمُ إلَى فَرْضِ عَيْنٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ، ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الضَّحِيَّةَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ التَّضْحِيَةَ مَسْنُونَةٌ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ. هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
وَقَدْ حَمَلَ جَمَاعَةٌ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى الْإِشْرَاكِ فِي الثَّوَابِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا صَاحِبُ"الْعُدَّةِ"وَالشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ، وَمِمَّا يُشْبِهُ قَوْلَ الْأَصْحَابِ: إنَّ الْأُضْحِيَّةَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ - قَوْلُهُمْ: الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَذَا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْجَمِيعِ فِي أَحْكَامِ السَّلَامِ عَقِبَ بَابِ هَيْئَةِ الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ، لِكَوْنِ التَّضْحِيَةِ سُنَّةً عَلَى الْكِفَايَةِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي"الْمُوَطَّإِ". قَالَ مَالِكٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّيَّادِ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ:"كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً"هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهَا فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ. وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ عُمَارَةَ هَذَا، قَالُوا: هُوَ ابْنُ الصَّيَّادِ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ الدَّجَّالُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
ذَكَرْنَا أَنْ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبِلَالٌ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ رَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ: وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُوسِرِ إلَّا الْحَاجَّ، بِمِنًى. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ بِالْأَمْصَارِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُهَا عَلَى مُقِيمٍ يَمْلِكُ نِصَابًا.
وَاحْتَجَّ لِمَنْ أَوْجَبَهَا"بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحَّى"وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وَبِحَدِيثِ أَبِي رَمْلَةَ بْنِ مِخْنَفٍ - بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ - قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ وُقُوفٌ مَعَهُ بِعَرَفَاتٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هَذِهِ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ الرَّجَبِيَّةَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفُ الْمَخْرَجِ لِأَنَّ أَبَا رَمْلَةَ مَجْهُولٌ. وَعَنْ