ج / 8 ص -220- رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ نَاسًا ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ مِنْكُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ ذَبِيحَتَهُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ."
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِهَا التَّقْدِيرُ بِالزَّمَانِ لَا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالزَّمَانِ أَشْبَهُ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ أَضْبَطُ لِلنَّاسِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَحَادِيثِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ عِيدِ الْأَضْحَى عَقِبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: أَيَّامُ نَحْرِ الْأُضْحِيَّةِ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيِّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَسَدِيُّ فَقِيهُ أَهْلِ الشَّامِ وَمَكْحُولٌ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ رضي الله عنهم وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَجُوزُ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ يَوْمَ النَّحْرِ خَاصَّةً، وَلِأَهْلِ السَّوَادِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً. وَاحْتَجَّ لِمَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ اتِّفَاقٍ، وَلَمْ يَقَعْ الِاتِّفَاقُ إلَّا عَلَى يَوْمَيْنِ بَعْدَ النَّحْرِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعَمٍ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"أَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ذَبْحٌ"فَضَعِيفٌ مَدَارُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى الصَّدَفِيِّ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الِاتِّفَاقَ وَقَعَ عَلَى يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلْ قَدْ حَكَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ اخْتِصَاصَهُ بِيَوْمٍ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي"الْمَرَاسِيلِ"وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ التَّابِعَيْنِ أَنَّهُ بَلَغَهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الضَّحَايَا إلَى آخِرِ الشَّهْرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِيَ ذَلِكَ"وَفِي رِوَايَةٍ:"إلَى هِلَالِ الْمُحَرَّمِ"وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ:"كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْتَرِي أَحَدُهُمْ الْأُضْحِيَّةَ فَيُسَمِّنُهَا فَيَذْبَحُهَا بَعْدَ الْأَضْحَى آخِرَ ذِي الْحِجَّةِ"قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْأَوَّلُ مُرْسَلٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَالثَّانِي حِكَايَةٌ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فِي"الشَّرْحِ": رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ"الْأُضْحِيَّةُ إلَى رَأْسِ الْمُحَرَّمِ"فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَالْأَمْرُ يَتَّسِعُ فِيهِ إلَى غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ"أَيَّامُ مِنَى أَيَّامُ نَحْرٍ"وَعَلَى هَذَا بَنَى الشَّافِعِيُّ. هَذَا كَلَامُ الْمَرْوَزِيِّ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِي كِلَيْهِمَا نَظَرٌ هَذَا لِإِرْسَالِهِ، وَحَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ لِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ، قَالَ: وَحَدِيثُ جُبَيْرٍ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: مَذْهَبُنَا جَوَازُ الذَّبْحِ لَيْلًا وَنَهَارًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ جَائِزٌ لَكِنْ يُكْرَهُ لَيْلًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُ الذَّبْحُ لَيْلًا، بَلْ يَكُونُ شَاةَ لَحْمٍ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا فَاتَتْ أَيَّامُ التَّضْحِيَةِ وَلَمْ يُضَحِّ التَّضْحِيَةَ الْمَنْذُورَةَ لَزِمَهُ ذَبْحُهَا قَضَاءً هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْضَى بَلْ تَفُوتُ وَتَسْقُطُ.