فهرس الكتاب

الصفحة 3021 من 4102

ج / 9 ص -27- الْحَدِيثِ: لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَلَا تَقْرَبُوهُ"وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ، وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ وَبَيْعُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ، وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ. وَقَالَ دَاوُد: إنْ كَانَ هَذَا سَمْنًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ، وَإِنْ كَانَ زَيْتًا لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ، وَزَعَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُخْتَصٌّ بِالسَّمْنِ، وَهُوَ لَا يُقَاسُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ، وَأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ جَوَازُ الِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ، سَوَاءٌ وَدَكُ1 الْمَيْتَةِ وَغَيْرُهُ، وَسَبَقَتْ هُنَاكَ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي الِانْتِفَاعِ بِالنَّجَاسَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: وَقَعَتْ فَأْرَةٌ مَيْتَةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ دِبْسٍ أَوْ عَجِينٍ أَوْ طَبِيخٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: حُكْمُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَائِعًا نَجَّسَتْهُ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا أُلْقِيَتْ النَّجَاسَةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَبَقِيَ الْبَاقِي طَاهِرًا، قَالُوا: وَضَابِطُ الْجَامِدِ أَنَّهُ إذَا أُخِذَتْ مِنْهُ قِطْعَةٌ لَمْ يُرَادَّ إلَى مَوْضِعِهَا مِنْهُ عَلَى الْقُرْبِ مَا يَمْلَؤُهَا فَإِنْ تَرَادَّ فَمَائِعٌ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي مَسْأَلَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: لَوْ نَصَبَ قِدْرًا عَلَى النَّارِ وَفِيهَا لَحْمٌ فَوَقَعَ فِيهَا طَائِرٌ فَمَاتَ، فَأُخْرِجَ الطَّائِرُ، صَارَ مَا فِي الْقِدْرِ نَجِسًا فَيُرَاقُ الْمَرَقُ وَلَا يَجُوزُ أَكْلُ اللَّحْمِ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ. هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: كَمَذْهَبِنَا وأصحهما: عَنْهُ أَنَّهُ يُرَاقُ الْمَرَقُ وَيُرْمَى اللَّحْمُ فَلَا يُؤْكَلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: لَوْ وَقَعَتْ ذُبَابَةٌ أَوْ نَحْلَةٌ فِي قِدْرِ طَبِيخٍ وَتَهَرَّأَتْ أَجْزَاؤُهَا فِيهِ، لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُ ذَلِكَ الطَّبِيخِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الذُّبَابِ وَالنَّمْلِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا كَانَ لِلِاسْتِقْذَارِ، وَلَا يُعَدُّ هَذَا مُسْتَقْذَرًا قَالَ: وَلَوْ وَقَعَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ لَحْمِ آدَمِيٍّ مَيِّتٍ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الطَّبِيخِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْمُ الْآدَمِيِّ وَزْنَ دَانِقٍ حَرَامٌ الطَّبِيخُ، لَا لِنَجَاسَتِهِ، فَإِنَّ الْآدَمِيَّ الْمَيِّتَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ أَكْلَ الْآدَمِيِّ حَرَامٌ لِحُرْمَتِهِ لَا لِاسْتِقْذَارِهِ، بِخِلَافِ الذُّبَابِ، هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ، وَالْمُخْتَارُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الطَّبِيخُ فِي مَسْأَلَةِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ، لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا فَهُوَ كَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ إذَا وَقَعَ فِي قُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ جَمِيعِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِأَنَّ الْبَوْلَ صَارَ بِاسْتِهْلَاكِهِ كَالْمَعْدُومِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَمَنْ اضْطَرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ، لقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } [البقرة: من الآية173] وَهَلْ يَجِبُ أَكْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَجِبُ لقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } [النساء: من الآية29] والثاني: لَا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَرْكِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْبَعَ مِنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: لَا يَجُوزُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، لِأَنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْأَكْلِ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ والثاني: يَحِلُّ، لِأَنَّ كُلَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 الودك: الدسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت