فهرس الكتاب
ج / 9 ص -41- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَحْرُمُ كَسْبُ الْحَجَّامِ لِمَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما سُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أَعْطَاهُ وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَنْ يَكْتَسِبَ بِالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّنَائِعِ الدَّنِيئَةِ كَالْكَنْسِ وَالذَّبْحِ وَالدَّبْغِ لِأَنَّهَا مَكَاسِبُ دَنِيئَةٌ فَيُنَزَّهُ الْحُرُّ مِنْهَا، وَلَا يُكْرَهُ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَدْنَى، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَاسْمُ أَبِي الْعَالِيَةِ رُفَيْعٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا: كَسْبُ الْحَجَّامِ حَلَالٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ وَالْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الْأَحْرَارِ، وَيَجُوزُ إطْعَامُهُ لِلْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُكْرَهُ لِلْعَبْدِ أَكْلُ كَسْبِ الْحَجَّامِ سَوَاءٌ كَسَبَهُ حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ، وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ لِلْحُرِّ، سَوَاءٌ كَسَبَهُ حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ، وَلِكَرَاهَتِهِ مَعْنَيَانِ أحدهما: مُخَالَطَةُ النَّجَاسَةِ والثاني: دَنَاءَتُهُ فَعَلَى الثَّانِي يُكْرَهُ كَسْبُ الْحَلَّاقِ وَنَحْوِهِ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يُكْرَهُ كَسْبُ الْكَنَّاسِ وَالزَّبَّالِ وَالدَّبَّاغِ وَالْقَصَّابِ وَالْخَاتِنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ.
وَفِي كَسْبِ الْفَاصِدِ وجهان أصحهما: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ والثاني: يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَفِي الْحَمَّامِيِّ وَالْحَائِلِ وجهان أصحهما: لَا يُكْرَهُ الْحَائِلُ وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَسْبَ الصَّوَّاغِينَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَفِي كَرَاهَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلْعَبِيدِ وجهان أصحهما: لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ دَنِيءٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالصَّنْعَةُ، وَأَيُّهَا أَطْيَبُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ لِلنَّاسِ أَشْبَهُهَا: بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التِّجَارَةَ أَطْيَبُ، قَالَ: وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ الزِّرَاعَةَ أَطْيَبُ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ، وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَخَذُوهُ عَنْهُ، قُلْتُ: فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"فَالصَّوَابُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَمَلُ الْيَدِ، فَإِنْ كَانَ زَرَّاعًا فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ وَأَفْضَلُهَا، لِأَنَّهُ عَمَلُ يَدِهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَوَكُّلًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ: [لِأَنَّ] 1فِيهِ نَفْعًا عَامًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَالدَّوَابِّ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَيَحْصُلَ لَهُ أَجْرُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ بَلْ يَعْمَلُ لَهُ غِلْمَانُهُ وَأُجَرَاؤُهُ فَاكْتِسَابُهُ بِالزِّرَاعَةِ أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَمَعْنَى يَرْزَؤُهُ يُنْقِصُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا:"فَلَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا طَيْرٌ إلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا:"لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سقطت لفظة (لأن) من النسخة المطبوعة قبل؟