فهرس الكتاب

الصفحة 3053 من 4102

ج / 9 ص -58- بِالْعَظْمِ الذَّكَاةَ وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ أُحَرِّمَ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ سِنٍّ وَلَا ظُفُرٍ، قَالَ: اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ فِي التَّحْرِيمِ الِاسْمَ فَأَجَازَهُ بِالْعَظْمِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الِاسْمِ وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، قَالَ: وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ السِّنِّ بِأَنَّهُ عَظْمٌ، هَذَا نَقَلَهُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا بَاطِلًا أَنَّ عَظْمَ الْمَأْكُولِ تَحْصُلُ بِهِ الذَّكَاةُ. وَهَذَا غَلَطٌ، وَلَوْ رُكِّبَ عَظْمٌ عَلَى سَهْمٍ وَجُعِلَ نَصْلًا لَهُ فَقُتِلَ بِهِ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ يَحِلُّ وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ.

الثالثة: لَوْ أَرَادَ الذَّكَاةَ بِمُثْقَلٍ فَأَثَّرَ بِثِقَلِهِ دَقًّا أَوْ خَنْقًا لَمْ يَحِلَّ وَكَذَا لَوْ كَانَ مُثْقَلًا فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَمْ يَحِلَّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْجُرْحِ، وَلَوْ ذَبَحَهُ بِحَدِيدَةٍ لَا تَقْطَعُ وَتَحَامَلَ عَلَيْهَا حَتَّى أَزْهَقَهُ لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّ الْقَطْعَ هُنَا بِقُوَّةِ الذَّابِحِ وَاعْتِمَادِهِ الشَّدِيدِ لَا بِالْآلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: اعْلَمْ أَنَّهُ يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِي التَّنْبِيهِ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ إلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي جَوَازَ الذَّبْحِ بِالْعِظَامِ الْمُحَدَّدَةِ سِوَى السِّنِّ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ إلَّا الْعَظْمَ وَالظُّفُرَ، أَوْ إلَّا الظُّفُرَ وَالسِّنَّ وَسَائِرَ الْعِظَامِ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْمُهَذَّبِ أَجْوَدُ، وَمَعَ هَذَا فَأَهْمَلَ فِيهِ بَيَانَ مَنْعِ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ قُلْنَا: أَمَّا: فِي الْمُهَذَّبِ فَلَهُ فِي هَذَا بَعْضُ الْعُذْرِ وأما فِي التَّنْبِيهِ فَلَا عُذْرَ لَهُ وَلَا جَوَابَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْحَدِيثَ حَتَّى يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ وأما الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ إيهَامٌ بِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ فِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ فِي السِّنِّ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَظْمًا فَفَهِمْنَا مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَظْمِ لَا تَحِلُّ الذَّكَاةُ بِهِ.

فرع: لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَسْرُوقٍ أَوْ كَالٍّ وَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ كُرِهَ ذَلِكَ وَحَلَّتْ الذَّبِيحَةُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا دَاوُد فَقَالَ: لَا تَحِلُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَبْحٌ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: من الآية3] وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا:"مَا أَنْهَرَ الدَّمَ"وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا"أَنَّهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ فِعْلِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إبْطَالُ الذَّكَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ حَلَالٍ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَإِنَّهُ تَحْصُلُ الذَّكَاةُ وَالْوُضُوءُ بِالْإِجْمَاعِ.

فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ الذَّكَاةُ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا حُصُولُهُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ إلَّا الظُّفُرَ وَالسِّنَّ وَسَائِرَ الْعِظَامِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَاللَّيْثُ وَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَالْجَمَاهِيرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِالظُّفُرِ وَالْعَظْمِ الْمُتَّصِلَيْنِ، وَيَجُوزُ بِالْمُنْفَصَلِينَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: تَحْصُلُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ، وَنَحْوِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيِّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ إبَاحَةُ الذَّكَاةِ بِالْعَظْمِ وَمَنْعُهُ بِالسِّنِّ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَعِنْدِي تَحْصُلُ الذَّكَاةُ بِهِمَا، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: تُذَكِّي بِعَظْمِ الْحِمَارِ، وَلَا تُذَكِّي بِعَظْمِ الْقِرْدِ، لِأَنَّ الْحِمَارَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَتَسْقِيهِ فِي خُفِّك وَهَذَا مَذْهَبٌ فَاسِدٌ وَاسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ، وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ رَافِعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت