فهرس الكتاب
ج / 9 ص -57- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَ بِسِكِّينٍ حَادٍّ لِمَا رَوَى شِدَادُ بْنُ أَوْسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"فَإِنْ ذَبَحَ بِحَجَرٍ مُحَدَّدٍ أَوْ لِيطَةٍ حَلَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي كَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْ بِهَا شَاةً، وَلِمَا رُوِيَ"أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْجُو أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ"فَإِنْ ذَبَحَ بِسِنٍّ أَوْ ظُفُرٍ لَمْ يَحِلَّ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ."
الشرح: حَدِيثُ شِدَادِ بْنِ أَوْسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحَدِيثُ رَافِعٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ رَوَى بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَالذِّبْحَةَ"هُوَ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَالذَّالِ أَيْ هَيْئَةِ الْقَتْلِ وَالذَّبْحِ، وَلْيُحِدَّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ يُقَالُ أَحَدَّ السِّكِّينَ وَحَدَّدَهَا وَاسْتَحَدَّهَا، كُلُّهُ بِمَعْنًى، وَالْمُدَى - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ - وَهُوَ جَمْعُ مُدْيَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا سَاكِنَةَ الدَّالِ - وَهِيَ السِّكِّينُ، سُمِّيَتْ مُدْيَةً لِأَنَّهَا تَقْطَعُ مَدَى حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَسُمِّيَتْ السِّكِّينُ سِكِّينًا لِأَنَّهَا تُسْكِنُ حَرَكَةَ الْحَيَوَانِ وَفِيهَا، لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ قَوْلُهُ"لِيطَةٌ - بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَبِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - وَهِيَ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ لِلْقَصَبَةِ، وَقِيلَ مُطْلَقُ قِشْرَةِ الْقَصَبَةِ، وَالْجَمَاعَةُ لِيطٌ وقوله: صلى الله عليه وسلم"مَا أَنْهَرَ الدَّمَ"أَيْ أَسَالَهُ وَقَوْلُهُ:"صلى الله عليه وسلم"لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ"هُمَا مَنْصُوبَانِ بِلَيْسَ وقوله: صلى الله عليه وسلم َمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ: مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ بِهِ، لِأَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ بِالدَّمِ، وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ تَنْجِيسِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ لِكَوْنِهِمَا زَادَ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وأما الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ كُفَّارٌ وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهَا مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: السُّنَّةُ تَحْدِيدُ السِّكِّينِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيُسْتَحَبُّ إمْرَارُهَا بِقُوَّةٍ وَتَحَامُلٍ ذَهَابًا وَعَوْدًا لِيَكُونَ أَوْحَى وَأَسْهَلَ، فَلَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ كَالَّةٍ كُرِهَ وَحَلَّتْ الذَّبِيحَةُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُحَدِّدَ السِّكِّينَ، وَالشَّاةُ تَنْظُرُ السِّكِّينَ وَأَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ وَالْأُخْرَى تَنْظُرُ وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا، قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُسَاقَ إلَى الْمَذْبَحِ بِرِفْقٍ وَتُضْجَعَ بِرِفْقٍ وَيُعْرَضَ عَلَيْهَا الْمَاءُ قَبْلَ الذَّبْحِ.
المسألة الثانية: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَا تَحْصُلُ الذَّكَاةُ بِالظُّفْرِ وَالسِّنِّ وَلَا بِسَائِرِ الْعِظَامِ، وَتَحْصُلُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُحَدَّدَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْحَدِيدِ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ، أَوْ مِنْ الرَّصَاصِ أَوْ النُّحَاسِ أَوْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ الْخَشَبِ الْمُحَدَّدِ أَوْ الْقَصَبِ أَوْ الزُّجَاجِ أَوْ الْحَجَرِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا خِلَافَ فِي كُلِّ هَذَا عِنْدَنَا، وَيَحِلُّ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ سِوَى الظُّفُرِ وَالسِّنِّ وَسَائِرِ الْعِظَامِ وأما الظُّفُرُ وَالسِّنُّ وَسَائِرُ الْعِظَامِ فَلَا تَحِلُّ بِهَا الذَّكَاةُ وَلَا الصَّيْدُ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ الظُّفُرُ وَالسِّنُّ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ الْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَكْرَهُ