ج / 9 ص -126- إحْدَاهَا: فِيمَا ثَبَتَ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مِنْ الْعُقُودِ، وَقَدْ جَمَعَهَا أَصْحَابُنَا هُنَا، وَأَعَادُوهَا فِي أَبْوَابِهَا مُفَرَّقَةً، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذِكْرِهَا فِي أَبْوَابِهَا مُفَرَّقَةً، وَالْمُخْتَارُ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ فَنَسْلُكُهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: الْعُقُودُ ضَرْبَانِ:
أحدهما: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ إمَّا مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالدَّيْنِ وَالْفَرَائِضِ وَالْجَعَالَةِ، وَإِمَّا مِنْ أَحَدِهِمَا كَالضَّمَانِ وَالرَّهْنِ وَالْكِتَابَةِ، فَلَا خِيَارَ فِيهَا كُلِّهَا، لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْفَسْخِ مَتَى شَاءَ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْكِتَابَةِ وَالضَّمَانِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ الدَّارِمِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقَدْ يَتَطَرَّقُ الْفَسْخُ بِسَبَبٍ آخَرَ إلَى الرَّهْنِ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعِ وَأَقْبَضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَيُمْكِنُ فَسْخُ الرَّهْنِ بِأَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ فَيُفْسَخَ الرَّهْنُ تَبَعًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: الْعُقُودُ اللَّازِمَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ، وَارِدَةٌ عَلَى الْعَيْنِ، وَوَارِدَةٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَالْأَوَّلُ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَالسَّلَمِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالتَّشْرِيكِ وَصُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ فَيَثْبُتُ فِيهَا كُلِّهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا صُوَرٌ إحْدَاهَا: إذَا بَاعَ مَالَهُ لِوَلَدِهِ، أَوْ مَالَ وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ، فَفِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ أَصْحُهُمَا: ثُبُوتُهُ فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ خِيَارٌ لِلْوَلَدِ وَخِيَارٌ لِلْأَبِ، وَيَكُونُ الْأَبُ نَائِبَ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَلْزَمَ الْبَيْعَ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَلَدِ لَزِمَ، وَإِنْ أَلْزَمَ لِنَفْسِهِ بَقِيَ الْخِيَارُ لِلْوَلَدِ، فَإِذَا فَارَقَ الْمَجْلِسَ لَزِمَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ والثاني: لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْإِلْزَامِ لِأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ نَفْسَهُ، وَإِنْ فَارَقَ الْمَجْلِسَ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: وَالثَّانِي قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا. قَالَ: فَعَلَى الثَّانِي لَا يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ إلَّا بِأَنْ يَخْتَارَ الْأَبُ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْوَلَدِ إذَا بَلَغَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ صِرْفًا فَفَارَقَ الْمَجْلِسَ قَبْلَ الْقَبْضِ. بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَبْطُلُ عَلَى الثَّانِي إلَّا بِالتَّخَايُرِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ، قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: يُبْنَى خِيَارُ الْمَجْلِسِ عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فإن قلنا: هُوَ لِلْبَائِعِ فَلَهُمَا الْخِيَارُ، وَلَا يُحْكَمُ بِالْعِتْقِ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنُ الْخِيَارِ وإن قلنا: مَوْقُوفٌ فَلَهُمَا الْخِيَارُ فَإِذَا أَمْضَيَا الْعَقْدَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ بِالشِّرَاءِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَثْبُتُ لِلْبَائِعِ، وَفِي عِتْقِهِ وجهان أصحهما: لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنُ الْخِيَارِ، ثُمَّ حُكِمَ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ والثاني: يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ حِينَ الشَّرْيِ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْبَائِعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ الْأَجْنَبِيَّ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ - وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْكَمَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، وَأَنْ لَا يُعْتِقَ الْعَبْدَ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا إلَّا بِأَصْلِ الْعَقْدِ، هَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا خِيَارَ، وَقَالَ الْأَوْدَنِيُّ: يَثْبُتُ وَتَابَعَ الْغَزَالِيُّ إمَامَهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَاخْتِيَارُهُمَا شَاذٌّ، وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ عَنْ الْأَصْحَابِ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي بَيْعِ الْأَعْطِيَةِ عَنْ الْأَوْدَنِيِّ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ، قَالَ: وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:"لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ"قَالَ: وَصُورَتُهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وَقُلْنَا: