ج / 9 ص -134- وَعَنْ جَابِرٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْبَيْعِ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ1 حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَايَعَ رَجُلًا فَلَمَّا بَايَعَهُ قَالَ: اخْتَرْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"هَكَذَا الْبَيْعُ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَسَمُرَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"بِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ مَالًا بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي فِي الْبَيْعِ، وَكَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْته بِأَنِّي سُقْتُهُ إلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ"رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مُتَّصِلًا بِإِسْنَادِهِ."
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ"الْحَدِيثُ فِي الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. أَثْبَتُ مِنْ هَذِهِ الْأَسَاطِيرِ"وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ حَدَّثَ الْكُوفِيِّينَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا قَالَ: فَحَدَّثُوا بِهِ أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ. أَرَأَيْتَ إنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ؟ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ إنَّ اللَّهَ سَائِلُهُ عَمَّا قَالَ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ: اعْتَرَضَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهَا بَلَغَتْهُمَا فَأَمَّا مَالِكٌ فَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ الْآنَ مِنْ قَوْلِهِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ؟ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَفَرُّقُهُمَا وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ: الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ خِلَافُ ذَلِكَ فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْمَدِينَة لَا يُثْبِتُونَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا خَالَفَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَرَكَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَالِاعْتِرَاضَانِ بَاطِلَانِ مَرْدُودَانِ لِمُنَابَذَتِهِمَا السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الْمُسْتَفِيضَةَ وأما قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، فَإِنَّ خِيَارَهُمَا يَدُومُ مَا دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ فِي السَّفِينَةِ، وَلَوْ بَقِيَا سَنَةً وَأَكْثَرَ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُبَيَّنَةً وَدَلِيلُهَا إطْلَاقُ الْحَدِيثِ.
وأما قَوْلُ مَالِكٍ فَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُ وَحْدَهُ مُنْفَرِدٌ بِهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّ السُّنَنِ، لِتَرْكِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْعَمَلَ بِهَا وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْمَذْهَبُ؟ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ وَرُوَاةَ الْأَخْبَارِ لَمْ يَكُونُوا فِي عَصْرِهِ، وَلَا فِي الْعَصْرِ الَّذِي قَبْلَهُ مُنْحَصِرِينَ فِي الْمَدِينَةِ، وَلَا فِي الْحِجَازِ، بَلْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ قِطْعَةٌ مِنْ الْأَخْبَارِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَنَقَلَهَا وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَبُولُهَا، وَمَعَ هَذَا فَالْمَسْأَلَةُ مُتَصَوَّرَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ غَنِيَّةٌ عَنْ الْإِطَالَةِ فِيهَا هُنَا. هَذَا كُلُّهُ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُمْ مُتَّفِقِينَ، فَهَذَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَحَدُ أَئِمَّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ مَالِكٍ أَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَغْلَظَ فِي الْقَوْلِ بِعِبَارَاتٍ مَشْهُورَةٍ، حَتَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المحفوظ من"صحيح البخاري"هو ما أثبتناه وكان في ش و ق (أن يرد في البيع) مع فوارق أخرى من أخطاء الناسخين والطابعين نلاحظ بالقارنة (ط) .
2 لعله: ولكنهم ليسوا متفقين (ط) .