ج / 9 ص -135- قَالَ: يُسْتَتَابُ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى اتِّفَاقِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ أَرَادَ مَا دَامَا فِي الْمُسَاوَمَةِ وَتَقْرِيرِ الثَّمَنِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ، لِأَنَّهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا يُسَمَّيَانِ مُتَبَايِعَيْنِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُقَالُ كَانَا مُتَبَايِعَيْنِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَوَابُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَهُوَ أَنَّهُمَا مَا دَامَا فِي الْمُقَاوَلَةِ يُسَمَّيَانِ مُتَسَاوِمَيْنِ. وَلَا يُسَمَّيَانِ مُتَبَايِعَيْنِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ مَا بَايَعَ وَكَانَ مُسَاوِمًا، وَتَقَاوَلَا فِي الْمُسَاوَمَةِ وَتَقْرِيرِ الثَّمَنِ، وَلَمْ يَعْقِدَا لَمْ يَحْنَثْ بِالِاتِّفَاقِ. والثاني: أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَيْعِ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْبَيْعُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْهُ، لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ مَعْنَى لَا يَصِحُّ اشْتِقَاقُهُ حَتَّى يُوجَدَ. الْمَعْنَى الثَّالِثُ"إنْ حُمِلَ الْخِيَارُ عَلَى مَا قُلْنَا يَحْصُلُ بِهِ فَائِدَةٌ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ الْحَدِيثِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْمُسَاوَمَةِ يَخْرُجُهُ عَنْ الْفَائِدَةِ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَسَاوِمَيْنِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَا عَقَدَا وَإِنْ شَاءَا تَرَكَا الرَّابِعُ: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَدَّ الْخِيَارَ إلَى التَّفَرُّقِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِثُبُوتِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَقْدِ. الْخَامِسُ: أَنَّ رَاوِي الْحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ كَانَ إذَا أَرَادَ إلْزَامَ الْبَيْعِ مَشَى قَلِيلًا لِيَنْقَطِعَ الْخِيَارُ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِ الْحَدِيثِ."
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالتَّفَرُّقِ التَّفَرُّقُ بِالْقَوْلِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ} فَالْمُرَادُ التَّفَرُّقُ بِالْقَوْلِ قُلْنَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَيْسَ تَفَرُّقًا مِنْهُمَا فِي الْقَوْلِ لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَوْلَ فَغَرَضُهُ أَنْ يَقْبَلَهُ صَاحِبُهُ، فَإِذَا قَبِلَهُ فَقَدْ وَافَقَهُ وَلَا يُسَمَّى مُفَارَقَةً، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَقْيِسَةً كَثِيرَةً وَقِيَاسَاتٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ. وأما الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} فَهُوَ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ:"فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ"فَإِنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ
وَأَمَّا: الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ:"لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ"فَهُوَ أَنَّهُ دَلِيلٌ كَمَا جَعَلَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ دَلِيلًا لِإِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَخَافَةَ أَنْ يَخْتَارَ الْفَسْخَ فَعَبَّرَ بِالْإِقَامَةِ عَنْ الْفَسْخِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَشْيَاءُ أَحَدُهَا: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَثْبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْإِقَالَةَ فِي الْمَجْلِسِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِقَالَةِ، فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِقَالَةِ الْفَسْخُ والثاني: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْإِقَالَةِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُفَارَقَةِ مَخَافَةَ أَنْ يُقِيلَهُ، لِأَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وأما الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا الْمَالَ، وَلِهَذَا لَا يَفْسُدَانِ بِفَسَادِ الْعِوَضِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ خِيَارٌ مَجْهُولٌ أَنَّ الْخِيَارَ الثَّابِتَ شَرْعًا لَا يَضُرُّ جَهَالَةُ زَمَنِهِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِشَرْطِهِمَا، فَاشْتُرِطَ بَيَانُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا إذَا قَامَا مِنْ مَجْلِسٍ وَتَمَاشَيَا جَمِيعًا دَامَ خِيَارُهُمَا مَا دَامَا مَعًا، وَإِنْ بَقِيَا شَهْرًا أَوْ سَنَةً، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَنْقَطِعُ بِهِ مُفَارَقَةُ