ج / 9 ص -143- وَالشَّارِطِ جَمِيعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْفَسْخِ فَلَوْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَارَ الْآخَرُ قُدِّمَ الْفَسْخُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا: إذَا اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ يُؤَامِرَ فُلَانًا فَيَأْتِيَ بِهِ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ الصَّرْفِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ حَتَّى يَقُولَ: اسْتَأْمَرْتُهُ فَأَمَرَنِي بِالْفَسْخِ وَتَكَلَّمَ الْأَصْحَابُ فِي النَّصِّ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّهُ لَهُ إذَا شَرَطَ أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْمَرْتُهُ، وَأَيُّ مَدْخَلٍ لَوْ أُمِرَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ هَذَا، وَقَالَ الْقَائِلُونَ بِالْأَصَحِّ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ: إنَّ الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ لِلْأَجْنَبِيِّ يَخْتَصُّ بِالْأَجْنَبِيِّ، هَذَا جَوَابٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ وَمُؤَيِّدِيهِ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ مَذْكُورٌ احْتِيَاطًا، وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِئْمَارُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ: اسْتَأْمَرْتُهُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِئْمَارِ وَلِئَلَّا يَكُونَ كَاذِبًا، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْبَصْرِيِّينَ كَافَّةً، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَأَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، لِأَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ وَلَمْ يَقُلْ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ.
الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي التَّصْوِيرِ شَرْطَ الْمُؤَامَرَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ الصحيح: مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِهِمْ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَحْمُودٌ عَلَى مَا إذَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِالثَّلَاثَةِ، فَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ والثاني: يُحْتَمَلُ الْإِطْلَاقُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ، كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ - إذَا جَوَّزْنَاهُ - فَإِنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ قَالَ الْبَغَوِيّ: وَإِذَا شَرَطَ الْمُؤَامَرَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَضَتْ الثَّلَاثَةُ وَلَمْ يُؤَامِرْهُ أَوْ آمَرهُ وَلَمْ يُشِرْ بِشَيْءٍ، لَزِمَ الْعَقْدُ وَلَا يَنْفَرِدُ هُوَ بِالْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ فِي مُدَّةِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى يُؤَامِرَهُ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ وَقُلْنَا: يَصِحُّ شَرْطُهُ لَهُ، وَثَبَتَ لَهُ وَلَهُمَا فَتَبَايَعَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَجْنَبِيٍّ وَصَرَّحَا بِنَفْيِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، فَفِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ وَالنَّفْيِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أحدهما: يَصِحُّ اتِّبَاعًا لِلشَّرْطِ والثاني: لَا يَصِحُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الْبَيْعِ فَفِي ابْتِدَاءِ مُدَّتِهِ وَجْهَانِ أحدهما: مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، فَاعْتُبِرَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ كَالْأَجَلِ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ صَارَ أَوَّلُ مُدَّةِ الْخِيَارِ مَجْهُولًا، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَتَى يَفْتَرِقَانِ والثاني: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ الْخِيَارُ ثَابِتٌ فِيهِ بِالشَّرْعِ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فإن قلنا: إنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ بَطَلَ، لِأَنَّ وَقْتَ الْخِيَارِ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّهُ يُزِيدُ الْخِيَارَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٌ وإن قلنا: إنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ فَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَصِحُّ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَقْتِ مَعْلُومٌ والثاني: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُوجَبَ الْعَقْدِ فَأَبْطَلَهُ.
الشرح: قَوْلُهُ: مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ، قَالَ الْقَلَعِيُّ: هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ إذَا قُلْنَا: لَا يُحْسَبُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا تَبَايَعَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا فَفِي ابْتِدَاءِ