ج / 9 ص -142- يَسْتَأْمِرَ فُلَانًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ حَتَّى يَقُولَ: اسْتَأْمَرْتُهُ فَأَمَرَنِي بِالْفَسْخِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَهُ أَنْ يَفْسَخَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الِاسْتِئْمَارِ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِذَكَرِ الِاسْتِئْمَارِ، وَتَأَوَّلَ مَا قَالَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ: اسْتَأْمَرْته إلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَأْمِرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ كَاذِبًا وَمِنْهُمْ"مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْسَخَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالشَّرْطِ، فَكَانَ عَلَى مَا شَرَطَ."
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْعَاقِدَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا، وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَجْهًا أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ أحدهما: يَكُونُ الْبَيْعُ لَازِمًا لَا خِيَارَ فِيهِ والثاني: أَنَّ بُطْلَانَ الْخِيَارِ يَخْتَصُّ بِالْأَجْنَبِيِّ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْعَاقِدِ، وَكُلُّ هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْعَبْدِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ أصحهما: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْعَقْدِ فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي صُورَةِ الْعَبْدِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ تَفْرِيعٌ مِنْهُ عَلَى قَوْلِنَا: لَا يَصِحُّ شَرْطُهُ لِأَجْنَبِيٍّ، فَأَمَّا إذَا صَحَّحْنَاهُ لِلْأَجْنَبِيِّ فَيَصِحُّ لِلْعَبْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَشْرِطُ أَحَدُهُمَا لِوَاحِدٍ وَالْآخَرُ لَآخِرَ، فَلَوْ شَرَطَهُ أَحَدُهُمَا لِزَيْدٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَشَرَطَهُ الْآخَرُ لِزَيْدٍ أَيْضًا مِنْ جِهَتِهِ، صَحَّ عَلَى قَوْلِنَا بِصِحَّتِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ الْوَاحِدِ فِي طَرَفَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَلَا يَنْفَرِدُ وَكِيلُهُمَا وأما الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ فَيَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا فَانْفَرَدَ بِهِ وَكِيلُهُمَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: وَإِذَا شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيِّ وَصَحَّحْنَاهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولُ الْأَجْنَبِيِّ بِاللَّفْظِ بَلْ يَكُونُ امْتِثَالُهُ قَوْلًا، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ مَالِي فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ إقْدَامُهُ عَلَى الْبَيْعِ، قَالُوا: وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِالرَّدِّ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْأَجْنَبِيِّ الْمَشْرُوطِ لَهُ فَهَلْ يَثْبُتُ لِلشَّارِطِ أَيْضًا؟ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ وَجَمَاعَةً حَكَوْهُ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَوْلَيْنِ أحدهما: يَثْبُتُ لَهُ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وأصحهما: عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَثْبُتُ، وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الصَّرْفِ، وَفِي الْإِمْلَاءِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً عَلَى رِضَاءِ غَيْرِهِ كَانَ لِلَّذِي شُرِطَ لَهُ الرِّضَا الرَّدُّ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهُ لِلشَّارِطِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ بَلْ خَصَصْنَا بِهِ الْأَجْنَبِيَّ فَمَاتَ الْأَجْنَبِيُّ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، فَهَلْ يَثْبُتُ الْآنَ لِلشَّارِطِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ أصحهما: عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا: يَثْبُتُ كَمَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ والثاني: لَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ الْبَحْرِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْأَجْنَبِيِّ