ج / 9 ص -145- مَعْنَاهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ، هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَجَلَ مِنْ الْعَقْدِ سَوَاءٌ شُرِطَ خِيَارُ الثَّلَاثِ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: أَمَّا: مُدَّةُ الْإِجَازَةِ إذَا قُلْنَا: يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ فَفِي ابْتِدَائِهَا هَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَجَلِ، قَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مِنْ الْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ فِي مَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَفِي غَيْبَتِهِ لِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ جُعِلَ إلَى اخْتِيَارِهِ فَجَازَ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ كَالطَّلَاقِ.
الشرح: قَوْلُهُ:"جُعِلَ إلَى اخْتِيَارِهِ"قَالَ الْقَلَعِيُّ هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ الْإِقَالَةِ وَالْخُلْعِ فَإِنَّهُمَا لَمْ يُجْعَلَا إلَى اخْتِيَارِهِ وَحْدَهُ، بَلْ إلَى اخْتِيَارِهِمَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: مَنْ ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ كَانَ لَهُ الْفَسْخُ فِي حَضْرَةِ صَاحِبِهِ وَفِي غَيْبَتِهِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَزُفَرُ وَأَبُو يُوسُفَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ إلَّا فِي حَضْرَةِ صَاحِبِهِ، وَلِهَذَا قَاسَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ مَجْمَعٌ عَلَى نُفُوذِهِ بِغَيْرِ حُضُورِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: الْإِقَالَةُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِحُضُورِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِيهَا وَجْهَيْنِ الصحيح: مِنْهُمَا هَذَا والثاني: أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَقِلْنِي، ثُمَّ غَابَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ قَالَ الْآخَرُ: أَقَلْتُكَ بِحَيْثُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِكَلَامِهِ صَحَّتْ الْإِقَالَةُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدِهِ مِنْهُ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
فرع: إذَا فَسَخَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ مَالِكِهَا، فَفِي صِحَّةِ الْفَسْخِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ هُنَا أحدهما: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِالْقَوْلِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: فَسَخْتُ الْأَمَانَةَ كَانَ عَلَى الْأَمَانَةِ مَا لَمْ يَرُدَّهَا، حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ قَبْلَ إمْكَانِ الرَّدِّ لَا ضَمَانَ والثاني: يَصِحُّ وَيَرْتَفِعُ حُكْمُ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَيَبْقَى حُكْمُ الْأَمَانَةِ كَالثَّوْبِ إذَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي دَارِ إنْسَانٍ يَكُونُ أَمَانَةً وَإِلَّا يَكُونُ وَدِيعَةً فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَخَّرَ الْإِعْلَامَ مَعَ الْقُدْرَةِ ضَمِنَ، هَذَا كَلَامُ الرُّويَانِيِّ. وَجَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِصِحَّةِ فَسْخِ الْوَدِيعَةِ فِي غَيْبَةِ الْمَالِكِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: تَنْفَسِخُ وَيَلْزَمُهُ رَدُّهَا إلَى مَالِكِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ دَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَهَلَكَتْ ضَمِنَ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ انْفَسَخَتْ الْوَدِيعَةُ لَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهَا إذَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْفَسْخِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْفَسِخَ وَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً قُلْنَا: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَنْفَسِخَ وَتَبْقَى فِي يَدِهِ أَمَانَةً، وَلِهَذَا لَوْ حَضَرَ الْمَالِكُ وَقَالَ فَسَخْتُ وَدِيعَتِي انْفَسَخَتْ، وَتَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ إلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا، فَإِنْ ذَهَبَ لِيُحْضِرَهَا فَتَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَإِنْ تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ تَصَرُّفًا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ كَالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ وَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ وَمَا أَشْبَهَهَا - نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ - كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لِلْفَسْخِ. لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ فَجُعِلَ اخْتِيَارًا لِلْفَسْخِ وَالرَّدِّ إلَى الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي