ج / 9 ص -146- فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ: أَبُو إِسْحَاقَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ عِتْقًا كَانَ اخْتِيَارًا لِلْإِمْضَاءِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اخْتِيَارًا، لِأَنَّ الْعِتْقَ لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ مَنَعَ الرَّدَّ فَأَسْقَطَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَمَا سِوَاهُ لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ، وَقَالَ: أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: الْجَمِيعُ اخْتِيَارٌ لِلْإِمْضَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ، فَكَانَ الْجَمِيعُ اخْتِيَارًا لِلْمِلْكِ، وَلِأَنَّ فِي حَقِّ الْبَائِعِ الْجَمِيعَ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي بِحَضْرَةِ الْبَائِعِ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَهَلْ يَنْقَطِعُ خِيَارُ الْبَائِعِ بِذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ، فَإِذَا سَكَتَ كَانَ ذَلِكَ رِضَاءً بِالْبَيْعِ والثاني: لَا يَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّصَرُّفِ، كَمَا لَوْ رَأَى رَجُلًا يَخْرُقُ ثَوْبَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشرح: قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ احْتِرَازً مِنْ الِاسْتِخْدَامِ وقوله: لِأَنَّهُ سُكُوتٌ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ قَالَ الْقَلَعِيُّ: فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمُودِعِ إذَا رَأَى مَنْ يَسْرِقُ الْوَدِيعَةَ فَسَكَتَ عَنْهُ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهَا مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْصُلُ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ كَقَوْلِ الْبَائِعِ فَسَخْتُ الْبَيْعَ أَوْ اسْتَرْجَعْتُ الْمَبِيعَ أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ رَدَدْتُ الثَّمَنَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذَا فَسْخٌ، وَالْإِجَازَةُ أَجَزْتُ الْبَيْعَ وَأَمْضَيْتُهُ، وَأَسْقَطْتُ الْخِيَارَ، وَأَبْطَلْتُ الْخِيَارَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَقَوْلُ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ: لَا أَبْتَاعُ حَتَّى يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ، مَعَ قَوْلِ الْمُشْتَرِي: لَا أَفْعَلُ، يَكُونُ فَسْخًا وَكَذَا قَوْلُ الْمُشْتَرِي: لَا أَشْتَرِي حَتَّى يُنْقِصَ عَنِّي مِنْ الثَّمَنِ مَعَ قَوْلِ الْبَائِعِ لَا أَفْعَلُ، وَكَذَا طَلَبُ الْبَائِعِ حُلُولَ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ وَطَلَبُ الْمُشْتَرِي تَأْجِيلَ الثَّمَنِ الْحَالِّ كُلُّ هَذَا فَسْخٌ هَذَا كَلَامُ الصَّيْمَرِيِّ، وَحَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَسَكَتُوا عَلَيْهِ مُوَافِقِينَ لَهُ.
الثَّانِيَةُ: إعْتَاقُ الْبَائِعِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لَهُ وَحْدَهُ، يَنْفُذُ وَيَكُونُ فَسْخًا بِلَا خِلَافٍ، وَفِي بَيْعِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ: أحدهما: لَيْسَ بِفَسْخٍ والثاني: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ فَسْخٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، فَعَلَى هَذَا فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وجهان أصحهما: الصِّحَّةُ كَالْعِتْقِ والثاني: لَا يَصِحُّ، بَلْ يَحْصُلُ الْفَسْخُ دُونَ الْبَيْعِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي التَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ، وَكَذَا الرَّهْنُ وَالْهِبَةُ إنْ اتَّصَلَ بِهِمَا الْقَبْضُ، سَوَاءٌ وَهَبَ لِوَلَدِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ تَجَرَّدَ الرَّهْنُ وَالْهِبَةُ عَنْ الْقَبْضِ فَهُوَ كَالْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ مُتَّصِلًا بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فرع: الْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ وَالْإِذْنُ فِي الْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلُ فِيهِ، وَالرَّهْنُ وَالْهِبَةُ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِمَا قَبْضٌ، فِي جَمِيعِ هَذَا وَجْهَانِ أحدهما: أَنَّهَا كُلَّهَا فَسْخٌ إنْ صَدَرَتْ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِجَازَةٌ إنْ صَدَرَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي وأصحهما: أَنَّهَا لَيْسَتْ فَسْخًا وَلَا إجَازَةً. وَلَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ قُلْنَا لَا يَزُولُ مِلْكُ الْبَائِعِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْهِبَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ الْقَبْضِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ فَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَنَّهُ أَبْقَى لِنَفْسِهِ مُسْتَدْرَكًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثالثة: لَوْ وَطِئَ الْبَائِعُ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ وَالْخِيَارُ لَهُ أَوْ لَهُمَا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ