ج / 9 ص -147- الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ فَسْخٌ لِإِشْعَارِهِ بِاخْتِيَارِ الْإِمْسَاكِ والثاني: لَا يَكُونُ فَسْخًا، وَلَوْ وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ لَا تَكُونُ رَجْعَةً والثالث: إنْ نَوَى بِهِ الْفَسْخَ كَانَ فَسْخًا، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ شَاذَّانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَحَكَى الثَّالِثَ مِنْهُمَا الدَّارِمِيُّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجْعَةِ أَنَّ الرَّجْعَةَ جُعِلَتْ لَتَدَارُكِ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَابْتِدَاءُ مِلْكِ النِّكَاحِ لَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ فَكَذَا تَدَارُكُهُ، وَأَمَّا فَسْخُ الْبَيْعِ فَلِتَدَارُكِ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَابْتِدَاءُ مِلْكِ الْيَمِينِ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاصْطِيَادِ وَسَبْيِ الْجَارِيَةِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعَلَى الصَّحِيحِ لَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ، أَوْ اسْتَخْدَمَ الْجَارِيَةَ أَوْ الْعَبْدَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ رَكِبَهَا هَلْ يَكُونُ فَسْخًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ أحدهما: يَكُونُ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ كَالْوَطْءِ وَالْعِتْقِ وأصحهما: لَا يَكُونُ فَسْخًا وَزَيَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الرُّكُوبُ وَالِاسْتِخْدَامُ فَسْخٌ وَقَالَ: هُوَ هَفْوَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ لَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ تَعْيِينًا لِلطَّلَاقِ فِي الْأُخْرَى عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا مِمَّا أَوْرَدَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ وَطْءِ الْبَائِعِ وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ نَحْوَ مَا سَبَقَ فِي فَرْقِ الرَّجْعَةِ وَحَاصِلُهُ الِاحْتِيَاطُ لِلنِّكَاحِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ.
الرَّابِعَةُ: وَطْءُ الْمُشْتَرِي، هَلْ هُوَ إجَازَةٌ مِنْهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ أَصَحُّهَا: بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ يَكُونُ إجَازَةً، لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلرِّضَى، وَكَمَا جَعَلْنَا وَطْءَ الْبَائِعِ فَسْخًا لِتَضَمُّنِهِ الرِّضَى، كَذَا وَطْءُ الْمُشْتَرِي إجَازَةٌ لِتَضَمُّنِهِ الرِّضَى والثاني: لَا، لِأَنَّ وَطْءَ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، فَلَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ كَخِيَارِ الشَّرْطِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَإِنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ والثالث: إنْ كَانَ عَالِمًا بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ حَالَةَ الْوَطْءِ، بَطَلَ خِيَارُهُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا، وَيُتَصَوَّرُ جَهْلُهُ بِأَنْ يَرِثَ الْجَارِيَةَ مِنْ مُوَرِّثِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَقَاسَهُ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْعَيْبِ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ الرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنْ وَطِئَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ بَطَلَ خِيَارُهُ، وَإِنْ وَطِئَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَوَجْهَانِ، فَحَصَلَ وَجْهٌ رَابِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُ الشَّرْطِ دُونَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وأما: إعْتَاقُهُ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ نَفَذَ وَحَصَلَتْ الْإِجَازَةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِي نُفُوذِهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْرِيعِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمِلْكِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِمَنْ هُوَ؟ وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ نَفَذَ فإن قلنا: يَنْفُذُ حَصَلَتْ الْإِجَازَةُ قَطْعًا وَإِلَّا فَوجهان أصحهما: الْحُصُولُ أَيْضًا لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا وَاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أَعْتَقَ وَهُوَ يَعْلَمُ نُفُوذَهُ لَمْ يَكُنْ إجَازَةً قَطْعًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ أَمَّا: إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَقَفَ أَوْ وَهَبَ وَأَقْبَضَ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ فَلَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ، وَهَلْ يَكُونُ إجَازَةً؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: يَكُونُ إجَازَةً. وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ