ج / 9 ص -153- وَغَيْرُهُ: يُنَصِّبُ الْقَاضِي [قَيِّمًا يَفْعَلُ] مَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ، كَمَا لَوْ جُنَّ صَاحِبُ الْخِيَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارُ الشَّرْطِ، ثَلَاثَةُ أقوال: أحدها: يَنْتَقِلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ فَانْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَالنِّكَاحِ والثاني: أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ الْخِيَارِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ إلَّا بِالْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ الْخِيَارِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِهِمَا والثالث: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعَى، فَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ الْعَقْدَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ فَسَخَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ بِالْعَقْدِ، لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ بِالْعَقْدِ لَمَلَكَ التَّصَرُّفَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ، لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْخِيَارِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ. فَثَبَتَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُرَاعَى. فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْبَائِعُ نَفَذَ عِتْقُهُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ فَقَدْ صَادَفَ الْعِتْقُ مِلْكَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ فَجُعِلَ الْعِتْقَ فَسْخًا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَفْسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ أَوْ لَا يَفْسَخُ فَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ - وَقُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، أَوْ قُلْنَا: إنَّهُ مَوْقُوفٌ - نَفَذَ عِتْقُهُ لِأَنَّهُ صَادَفَ مِلْكَهُ وإن قلنا: إنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ لَمْ يَعْتِقْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَهُ. وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ - وَقُلْنَا: إنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ أَوْ مَوْقُوفٌ - لَمْ يُعْتِقْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَهُ.
وإن قلنا: إنَّهُ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: إنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ، لِأَنَّ الْعِتْقَ صَادَفَ مِلْكَهُ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَأَشْبَهَ عِتْقَ الْمَرْهُونِ وَمِنْ"أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يُعْتِقُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ الْبَائِعَ اخْتَارَ الْفَسْخَ وَالْمُشْتَرِي اخْتَارَ الْإِجَازَةَ بِالْعِتْقِ، وَالْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ إذَا اجْتَمَعَا قُدِّمَ الْفَسْخُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَجَزْتُ، وَقَالَ الْبَائِعُ بَعْدَهُ: فَسَخْتُ، قُدِّمَ الْفَسْخُ وَبَطَلَتْ الْإِجَازَةُ، وَإِنْ كَانَتْ سَابِقَةً لِلْفَسْخِ فإن قلنا: لَا يُعْتِقُ عَادَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: يُعْتِقُ، فَهَلْ يَرْجِعُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ؟ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أحدهما: يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَيَكُونُ الْعِتْقُ مُقَرِّرًا لِلْعَقْدِ وَمُبْطِلًا لِلْفَسْخِ والثاني: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إلَى الْعَيْنِ، فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِثَوْبٍ وَأَعْتَقَ الْعَبْدَ، وَوَجَدَ الْبَائِعُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا فَرَدَّهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، فَإِنْ بَاعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ أَوْ وَهَبَهُ صَحَّ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَمْلِكُ الْعَقْدَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ فَجَعَلَ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ فَسْخًا."
وَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ وَهَبَهُ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ رِضَى الْبَائِعِ"فَإنْ قُلْنَا: إنَّهُ فِي مِلْكُ الْبَائِعِ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ فِي مِلْكِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَصِحُّ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَخْتَارَ الْفَسْخَ، فَإِذَا فَسَخَ بَطَلَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي. وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ صَادَفَ مِلْكَهُ الَّذِي ثَبَتَ لِلْغَيْرِ فِيهِ حَقُّ الِانْتِزَاعِ فَأَشْبَهَ إذَا اشْتَرَى شِقْصًا فِيهِ شُفْعَةٌ فَبَاعَهُ وَمِنْ"أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ بَاعَ عَيْنًا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ، فَأَمَّا إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِرِضَى الْبَائِعِ نَظَرْتَ - فَإِنْ كَانَ عِتْقًا - نَفَذَ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَيْعًا أَوْ هِبَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ بِالتَّصَرُّفِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ مِلْكُهُ والثاني: يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْبَائِعِ وَقَدْ رَضِيَ الْبَائِعُ.