فهرس الكتاب
ج / 9 ص -171- فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَطْهُرُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَطْهُرْ كَالْخَلِّ والثاني: يَطْهُرُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ فَهُوَ كَالثَّوْبِ فإن قلنا: لَا يَطْهُرُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْخَلِّ وإن قلنا: يَطْهُرُ فَفِي بَيْعِهِ وَجْهَانِ كَالْمَاءِ النَّجِسِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي السِّرَاجِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ لِمَا فِيهِ مِنْ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ.
الشرح: قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَطْهُرْ كَالْخَلِّ، هَذَا تَعْلِيلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ طَهَارَةِ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ وَالدُّهْنِ إنَّمَا هُوَ لِتَعَذُّرِ الْعَصْرِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ فِي طَهَارَةِ الْمَغْسُولِ مِنْ النَّجَاسَةِ، بَلْ التَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَاءُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهَا مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ مُتَنَجِّسَةً بِعَارِضٍ وَهِيَ جَامِدَةٌ كَالثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ وَالسِّلَاحِ وَالْجُلُودِ وَالْأَوَانِي وَالْأَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، جَازَ بَيْعُهَا بِلَا خِلَافٍ ; لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَقَلُوا فِيهِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ تَسَتَّرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنَّجَاسَةِ الْوَارِدَةِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ الطَّاهِرَةُ الْمُتَنَجِّسَةُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ مَائِعَةً فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ وَالدِّبْسِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِلَا خِلَافٍ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَقَلُوا فِيهِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الصِّبْغُ النَّجِسُ فَالْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ وَشَذَّ الْمُتَوَلِّي فَحَكَمَ فِيهِ طَرِيقَيْنِ أحدهما: هَذَا والثاني: أَنَّ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ طَرِيقَتَيْنِ كَالزَّيْتِ النَّجِسِ أصحهما: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِخِلَافِ الزَّيْتِ عَلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَإِنَّمَا يَصْبُغُ النَّاسُ بِهِ ثُمَّ يَغْسِلُونَ الثَّوْبَ، وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَ الشَّاذَّ فِي جَوَازِ بَيْعِ الصِّبْغِ النَّجِسِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرُّويَانِيُّ وَطَرَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْخَلِّ الْمُتَنَجِّسِ قَالَ لِأَنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ.
الثالثة: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَاءِ النَّجِسِ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: لَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَفِيهِ طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ الْجَزْمُ بِبُطْلَانِ بَيْعِهِ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بَلْ يَسْتَحِيلُ بِبُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ مِنْ صِفَةِ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ كَالْخَمْرِ يَتَخَلَّلُ.
الرَّابِعَةُ: الدُّهْنُ النَّجِسُ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ نَجِسُ الْعَيْنِ كَوَدَكِ الْمَيْتَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مُتَنَجِّسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَالسَّمْنِ وَدُهْنِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ. فَهَذَا كُلُّهُ هَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أحدهما: يَطْهُرُ كُلُّهُ والثاني: لَا يَطْهُرُ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَطْهُرُ الزَّيْتُ وَنَحْوُهُ، وَلَا يَطْهُرُ السَّمْنُ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الْوَجْهَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ الْأَدْهَانِ بِالْغَسْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ والوجه الثاني: يَطْهُرُ الْجَمِيعُ بِالْغَسْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ.