فهرس الكتاب
ج / 9 ص -175- الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَهُوَ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي بَيْعِ السِّبَاعِ الَّتِي لَا تَصْطَادُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَيْعِ دَارٍ لَا طَرِيقَ لَهَا أَوْ بَيْعِ بَيْتٍ مِنْ دَارٍ لَا طَرِيقَ إلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ طَرِيقٌ فَيُنْتَفَعَ بِهِ فَيَصِحَّ بَيْعُهُ.
الشرح: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أصحهما: صِحَّةُ الْبَيْعِ. قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ: لَوْ بَاعَ أَرْضًا مُعَيَّنَةً مَحْفُوفَةً بِمِلْكِ الْبَائِعِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ - فَإِنْ شَرَطَ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الْمَمَرِّ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ - لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِالْمَمَرِّ، وَإِنْ شَرَطَ الْمَمَرَّ مِنْ جَانِبٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ الْبَيْعُ فَإِنْ قَالَ: بِعْتُهَا بِحُقُوقِهَا صَحَّ الْبَيْعُ، وَثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْمَمَرِّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، كَمَا كَانَ لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَإِنْ أَطْلَقَ بَيْعَهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَمَرِّ فَوجهان أصحهما: يَصِحُّ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَهَا بِحُقُوقِهَا والثاني: أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْمَمَرَّ، فَعَلَى هَذَا هُوَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْمَمَرِّ، وَفِيهِ وجهان أصحهما: بُطْلَانُ الْبَيْعِ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ فِي الْحَالِ والثاني: الصِّحَّةُ لِإِمْكَانِ تَحْصِيلِ الْمَمَرِّ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ إنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَمَرٍّ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا، قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ الْمَبِيعَةُ مُلَاصِقَةً لِلشَّارِعِ صَحَّ الْبَيْعُ، وَمَرَّ الْبَائِعُ إلَيْهَا مِنْ الشَّارِعِ، وَلَيْسَ لَهُ سُلُوكُ مِلْكِ الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِهَا الدُّخُولُ مِنْ الشَّارِعِ، فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُلَاصِقَةً مِلْكَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ الْمُرُورُ فِيمَا بَقِيَ لِلْبَائِعِ، بَلْ يَدْخُلُ الْمُشْتَرِي مِنْ مِلْكِهِ الْقَدِيمِ الْمُلَاصِقِ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ احْتِمَالًا قَالَ: وَالصُّورَةُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ الْبَيْعَ أَمَّا: إذَا قَالَ بِحُقُوقِهَا فَلَهُ الْمَمَرُّ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ.
أَمَّا: إذَا بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا فَلَهُ الْمَمَرُّ، لِأَنَّ الْمَمَرَّ كَانَ ثَابِتًا فَبَقِيَ، فَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ الْمَمَرِّ - نُظِرَ إنْ أَمْكَنَ إيجَادُ مَمَرٍّ - صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَوجهان أصحهما: بُطْلَانُ الْبَيْعِ، وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ، كَمَنْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ ثَوْبٍ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِقَطْعِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُرِّ مِنْهُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"قَالَ رَبُّكُمْ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ".
الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إلَّا قَوْلَهُ: وَمَنْ"كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ"وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ رَوَاهَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَمَعْنَى أَعْطَى بِي عَاهَدَ إنْسَانًا بِي، وَبَيْعُ الْحُرِّ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ"وَلِأَنَّهُ أَسْتَقَرَّ لَهَا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ [وَفِي بَيْعِهَا إبْطَالُ ذَلِكَ فَلَمْ يَجُزْ] .