فهرس الكتاب

الصفحة 3173 من 4102

ج / 9 ص -176- الشَّرْحُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ1

أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا هِبَتُهَا وَلَا رَهْنُهَا وَلَا الْوَصِيَّةُ بِهَا، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ مَثَّلَ الْقَوْلَ فِي بَيْعِهَا فِي الْقَدِيمِ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ اخْتِلَافُ قَوْلٍ وَإِنَّمَا مَثَّلَ الْقَوْلَ إشَارَةً إلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَالصَّيْدَلَانِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَعَلَى هَذَا الْقَدِيمِ هَلْ تَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا، وَبِهِ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وأصحهما: نَعَمْ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا كَالْمُدَبَّرِ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَعْتِقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعْتِقَ مِنْ الثُّلُثِ، قُلْتُ: الْأَقْوَى مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِتَأَكُّدِ حَقِّهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَقَضَى قَاضٍ بِجَوَازِهِ فَطَرِيقَانِ أحدهما: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ فِي نَقْضِ قَضَائِهِ وَجْهَيْنِ والثاني: أَنَّهُ يُنْقَضُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ، وَلَمْ يُحْكَ غَيْرُهُ، قَالُوا: لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ الْآنَ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ خِلَافٍ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ فَقَدْ ارْتَفَعَ وَصَارَ الْآنَ مُجْمَعًا عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ حَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد جَوَازَ بَيْعِهَا مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى بُطْلَانِهِ الْآنَ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِ دَاوُد وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَلَا خِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُمْ نَفَوْا الْقِيَاسَ، وَشَرْطُ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْقِيَاسِ وَقَالَتْ الشِّيعَةُ أَيْضًا بِجَوَازِ بَيْعِهَا، وَلَكِنَّ الشِّيعَةَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

وَالْمُعْتَمَدُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه"أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ"وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهَا. وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الْخِلَافِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَحِينَئِذٍ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الثَّابِتِ عَنْ عُمَرَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى نَسْخِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ:"بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ:"كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَّنَا وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِنَا، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَيٌّ، لَا يَرَى بِذَلِكَ"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بياض يالأصل وأول حديث ابن عمر أخرج مغناه مالك في"الموطأ"موقوفا على عمر وهو لا يخلو من أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بلفظ: عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبعها ولا يهبها ولا يورثها وهن يستمتع منها فإذا مات فهي حرة"رواه الدارمي عن ابن عباس مرفوعا"إذا ولدت أمة الرجل منه معقتة عن دبر منه أو بعده"ورواه أحمد ابن ماجه والحاكم والبيهقي وفيه الحسين بن عبد الله ضعيف جدا, وقد رجح بعض الحفاظ وقفه على عمر وروى ابن ماجه والحاككم عن ابن عباس"ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أعتقها ولدها"وإسناد ضعيف لكن له طريق عند قاسم بن أصبغ إسنادها جيد وفي"كنز العمال"نحو ثلاثة أحاديث قولية وعشرة من أفعال الصحابة. (المطيعي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت