فهرس الكتاب

الصفحة 3179 من 4102

ج / 9 ص -182- يَزْعُمُ أَهْلُ خُرَاسَانَ أَنَّكَ فَقِيهُهُمْ؟ قَالَ إِسْحَاقُ: هَكَذَا يَزْعُمُونَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا أَحْوَجَنِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُكَ فِي مَوْضِعِكَ فَكُنْتُ آمُرُ بِفِرَاكِ أُذُنَيْهِ، أَنَا أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْتَ تَقُولُ قَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ، هَؤُلَاءِ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لِأَحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حُجَّةٌ؟ وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا.

ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} أَفَتُنْسَبُ الدِّيَارُ إلَى مَالِكِينَ أَوْ غَيْرِ مَالِكِينَ؟ فَقَالَ إِسْحَاقُ: إلَى مَالِكِينَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ الْأَقَاوِيلِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ"، وَقَدْ اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه دَارَ الْحَجَّامِينَ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ لَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ:"سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ"، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} وَالْمُرَادُ الْمَسْجِدُ خَاصَّةً، وَهُوَ الَّذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُ لَكَانَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْشُدَ فِي دُورِ مَكَّةَ وَفِجَاجِهَا ضَالَّةً، وَلَا يَنْحَرَ فِيهَا اُلْبُدْنَ، وَلَا يُلْقِيَ فِيهَا الْأَرْوَاثَ، وَلَكِنْ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ خَاصَّةً فَسَكَتَ إِسْحَاقُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَسَكَتَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ.

وأما الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ فَالْجَوَابُ عَنْ قوله تعالى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} سَبَقَ الْآنَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وأما قوله تعالى: {هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} فَمَعْنَاهُ حَرَّمَ صَيْدَهَا، وَشَجَرَهَا، وَخَلَاهَا، وَالْقِتَالَ فِيهَا، كَمَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِنْهَا مَعَ كَثْرَتِهَا فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ دُورِهَا وأما حَدِيثُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ أَبِيهِ فَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِ إسْمَاعِيلَ وَأَبِيهِ إبْرَاهِيمَ وأما حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَإِنْ صَحَّ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَوَاتِ مِنْ الْحَرَمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وأما حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ فَضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: ضَعْفُ إسْنَادِهِ فَإِنَّ ابْنَ أَبِي زِيَادٍ هَذَا ضَعِيفٌ والثاني: أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالُوا: رَفْعُهُ وَهْمٌ، هَكَذَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وأما حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ والثاني: جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ عَادَتِهِمْ فِي إسْكَانِهِمْ مَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِالْإِعَارَةِ تَبَرُّعًا وُجُودًا، وَقَدْ أَخْبَرَ مَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِشَأْنِ مَكَّةَ مِنْهُ بِأَنَّهُ جَرَى الْإِرْثُ وَالْبَيْعُ فِيهَا وأما حَدِيثُ مِنًى مُبَاحٌ لِمَنْ سَبَقَ"فَمَحْمُولٌ عَلَى مَوَاتِهَا وَمَوَاضِعِ نُزُولِ الْحَجِيجِ مِنْهَا وأما الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى نَفْسِ الْمَسْجِدِ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مُحَرَّمَةٌ مُحَرَّرَةٌ، لَا تُلْحَقُ بِهَا الْمَنَازِلُ الْمَسْكُونَةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهَا، وَلِهَذَا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ يَجُوزُ بَيْعُ الدُّورِ دُونَ الْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ."

فَرْعٌ: قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ بَيْعِ الْكِلَابِ: لَا يُكْرَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْمِلْكِ الطَّلْقِ إلَّا أَرْضَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا لِلْخِلَافِ وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ غَرِيبٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا نَهْيٌ.

فرع: قَالَ الرُّويَانِيُّ وَالْأَصْحَابُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ هُوَ فِي بَيْعِ نَفْسِ الْأَرْضِ فأما: الْبِنَاءُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت