ج / 9 ص -189- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"وَلِأَنَّ مَا لَا يَمْلِكُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَهُوَ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ.
الشَّرْحُ: حَدِيثُ حَكِيمٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ, وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"مِنْ غَيْرِ إذْنٍ"يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ, فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَكِيلُ وَالْوَلِيُّ وَالْوَصِيُّ وَقَيِّمُ الْقَاضِي فِي بَيْعِ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي وَنَائِبُهُ فِي بَيْعِ مَالِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ أَدَاءُ دَيْنٍ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ بَيْعِ مَالِهِ فِي وَفَائِهِ, فَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ يَصِحُّ فِيهَا الْبَيْعُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ, وَيَخْرُجُ مِنْهُ إذْنُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ فَلَسٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ رَهْنٍ, فَإِنَّهُ لَوْ أَذِنَ لِأَجْنَبِيٍّ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَصِحَّ, مَعَ أَنَّهُ مَالِكٌ, وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّ شُرُوطَ الْمَبِيعِ خَمْسَةٌ. مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَنْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ, فَإِنْ بَاشَرَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ فَشَرْطُهُ كَوْنُهُ مَالِكًا لِلْعَيْنِ, وَإِنْ بَاشَرَهُ لِغَيْرِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ, فَلَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَلَا وِلَايَةٍ فَقَوْلَانِ الصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ, وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَنَزِيدُهُ دَلَالَةً فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيمُ إنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ إنْ أَجَازَ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِلَّا لَغَا, وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَسَيَأْتِي دَلِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ لَمْ يَعْرِفُوا هَذَا الْقَوْلَ, وَقَطَعُوا بِالْبُطْلَانِ, فَمُرَادُهُ مُتَقَدِّمُوهُمْ, ثُمَّ إنَّ كُلَّ مَنْ حَكَاهُ إنَّمَا حَكَاهُ عَنْ الْقَدِيمِ خَاصَّةً, وَهُوَ نَصٌّ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ, وَهُوَ مِنْ الْجَدِيدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْبُوَيْطِيِّ: إنْ صَحَّ حَدِيثُ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ فَكُلُّ مَنْ بَاعَ أَوْ أَعْتَقَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ رَضِيَ: فَالْبَيْعُ وَالْعِتْقُ جَائِزَانِ هَذَا نَصُّهُ, وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ, فَصَارَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي الْجَدِيدِ أَحَدُهُمَا مُوَافِقٌ لِلْقَدِيمِ, وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ أَوْ ابْنَتَهُ أَوْ طَلَّقَ مَنْكُوحَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ مَمْلُوكَهُ أَوْ أَجَّرَ دَارِهِ أَوْ وَهَبَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ, قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَطَّرِدُ هَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ عَقْدٍ يَقْبَلُ الِاسْتِنَابَةَ كَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْهِبَاتِ وَالْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا, وَيُسَمَّى هَذَا بَيْعَ الْفُضُولِيِّ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ: الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ جَارِيَانِ فِي شِرَائِهِ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ, قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا اشْتَرَى الْفُضُولِيُّ لِغَيْرِهِ - نُظِرَ إنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ ذَاتِ الْغَيْرِ - فَفِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ الْجَدِيدُ: بُطْلَانُهُ وَالْقَدِيمُ: وَقْفُهُ عَلَى الْإِجَازَةِ, وَإِنْ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ نُظِرَ.
إنْ أَطْلَقَ لَفْظَ الْعَقْدِ وَنَوَى كَوْنَهُ لِلْغَيْرِ فَعَلَى الْجَدِيدِ يَقَعُ لِلْمُبَاشِرِ, وَعَلَى الْقَدِيمِ يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ, فَإِنْ أَجَازَ نَفَذَ لِلْمُجِيزِ, وَإِلَّا نَفَذَ لِلْمُبَاشِرِ, وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِهِ, فَهُوَ كَاشْتِرَائِهِ بِعَيْنِ مَالِ الْغَيْرِ, فَفِيهِ الْقَوْلَانِ الْجَدِيدُ: بُطْلَانُهُ وَالْقَدِيمُ: وَقْفُهُ عَلَى الْإِجَازَةِ.