فهرس الكتاب
ج / 9 ص -227- هَذَا الثَّوْبِ، فَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ مَبْلَغَ ذُرْعَانِ الدَّارِ وَالثَّوْبِ، وَأَنَّهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ صَحَّ الْبَيْعُ فِي عُشْرِهَا لِأَنَّ الْعَشَرَةَ مِنْ الْمِائَةِ عُشْرُهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ عُشْرَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ عَشْرَةَ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَبْلَغَ ذُرْعَانِ الدَّارِ وَالثَّوْبِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ إنْ جَعَلَ الْبَيْعَ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مُشَاعَةٍ لَمْ يُعْرَفُ قَدْرُ الْمَبِيعِ أَنَّهُ عُشْرُهَا أَوْ ثُلُثُهَا أَوْ سُدُسُهَا.
وَإِنْ جَعَلَ الْبَيْعَ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يُعْرَفْ صِفَةُ الْمَبِيعِ، فَإِنَّ أَجْزَاءَ الثَّوْبِ وَالدَّارِ تَخْتَلِفُ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا أَجْوَدَ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُنْتَهَى، فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْمَبِيعِ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَدْ يَنْتَهِي إلَى مَوْضِعٍ يُخَالِفُ مَوْضِعَ الِابْتِدَاءِ والثاني: أَنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُشَاهِد السَّمْتَ، وَإِنْ بَيَّنَ الِابْتِدَاءَ وَالِانْتِهَاءَ صَحَّ فِي الدَّارِ وأما فِي الثَّوْبِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِالْقَطْعِ فَهُوَ كَالدَّارِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقُصُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ شَرْطُ إدْخَالِ نَقْصٍ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَبِعْ مِنْ الثَّوْبِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَصِحُّ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ.
الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَزَادَ"نَهَى عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ"قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ حَسَنَةٌ، فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْقَفِيزِ وَأَنَّ الذِّرَاعَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَالتَّأْنِيثُ أَفْصَحُ وَقَوْلُهُ:"لِأَنَّهُ نَوْعٌ بِيعَ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ بِقَدْرِهِ"احْتِرَازٌ مِنْ شَرْطِ الثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رحمهم الله: يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْمَبِيعِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ"فَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ بَعْضَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ أَوْ بَعْضَ الْعَبْدِ أَوْ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَمَّا: إذَا قَالَ: بِعْتُكَ صَاعًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ فَلَهُ حَالَانِ أحدهما: أَنْ يَعْلَمَا مَبْلَغَ صِيعَانِهَا، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ، وَيَنْزِلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ، فَإِذَا كَانَتْ الصُّبْرَةُ مِائَةَ صَاعٍ فَالْمَبِيعُ عُشْرُ عُشْرِهَا، فَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا تَلِفَ بِقَدْرِهِ مِنْ الْمَبِيعِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَنْزِيلِهِ وَجْهَيْنِ أحدهما: هَذَا والثاني: الْمَبِيعُ صَاعٌ مِنْ الْجُمْلَةِ غَيْرُ مُشَاعٍ، أَيُّ صَاعٍ كَانَ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا: يَبْقَى الْمَبِيعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ، وَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا لَمْ يُقَسَّطْ عَلَى الْمَبِيعِ وَغَيْرِهِ.
الْحَالُ الثَّانِي: إنْ كَانَا لَا يَعْلَمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَبْلَغَ صِيعَانِهَا فَوَجْهَانِ أحدهما: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ فَرَّقَ صِيعَانَهَا، قَالَ: بِعْتُكَ صَاعًا مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ إلَّا الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ فَصَحَّحَهُ، وَسَبَقَ نَقْلُهُ عَنْهُ والوجه الثاني: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَطَوَائِفُ مِنْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومُ الْقَدْرِ، فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِدِرْهَمٍ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيُنَزَّلُ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُبَيِّنَ صِفَةَ الدِّرْهَمِ وَلَا وَزْنِهِ،