فهرس الكتاب
ج / 9 ص -238- فَرْعٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَ الدَّابَّةَ وَيَشْتَرِطَ عِقَاقَهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: الْعِقَاقُ - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - الْحَمْلُ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ مَنْعُ بَيْعِهَا بِشَرْطِ الْحَمْلِ، هَكَذَا أَطْبَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَفْسِيرِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَنَّهُ شَرْطُ اسْتِثْنَاءِ حَمْلِهَا لِلْبَائِعِ.
فرع: ذَكَرَ أَصْحَابُنَا هُنَا النَّهْيَ الْمَشْهُورَ عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ، قَالُوا: وَالْمَلَاقِيحُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ الْحَوَامِلِ مِنْ الْأَجِنَّةِ، وَالْمَضَامِينُ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ مِنْ الْمَاءِ هَكَذَا فَسَّرَهُ أَصْحَابُنَا وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ، وَمِمَّنْ قَالَهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَبُو عُبَيْدَةَ،، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَزْهَرِيُّ، وَالْهَرَوِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَصَاحِبَا الْمُجْمَلِ وَالْمُحْكَمِ: الْمَضَامِينُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مُكَرَّرًا مَعَ الْمَلَاقِيحِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَوَاحِدَةُ الْمَلَاقِيحِ مَلْقُوحَةٌ وأما الْمَضَامِينُ فَوَاحِدُهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِضْمَانًا وَمَضْمُونًا، الْأَوَّلُ كَمِقْدَامٍ وَمَقَادِيمَ، وَالْآخَرُ كَمَجْنُونٍ وَمَجَانِينَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ، وَإِلَى الثَّانِي الْأَزْهَرِيُّ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْدَعَهَا ظُهُورَهَا فَكَأَنَّهَا ضَمِنَتْهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:"لَا تَبِيعُوا الصُّوفَ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، وَلَا تَبِيعُوا اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ"وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى امْتِلَاءَ الضَّرْعِ مِنْ السَّمْنِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ اللَّبَنِ وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ اللَّبَنُ صَافِيًا، وَقَدْ يَكُونُ كَدِرًا، وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ.
الشرح: هَذَا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَيَاهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ عُمَرُ بْنُ فَرُّوخَ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ، قَالَ: وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ حَتَّى يَخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَحْدُثُ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ هِيَ الْمَرَضِيَّةُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مِنْ اللَّبَنِ الَّذِي فِي ضَرْعِ هَذِهِ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ رِطْلًا فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ وُجُودَ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: فِيهِ قَوْلَا بَيْعِ الْغَائِبِ، وَحَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ حَلَبَ شَيْئًا مِنْ اللَّبَنِ فَأَرَاهُ ثُمَّ قَالَ: بِعْتُكَ رِطْلًا مِمَّا فِي الضَّرْعِ، فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْفُورَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ أحدهما: يَصِحُّ، كَمَا لَوْ رَأَى أُنْمُوذَجًا مِنْ خَلٍّ أَوْ لَبَنٍ فِي إنَاءٍ وأصحهما: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَدُرُّ فِي الضَّرْعِ لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ، صَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ، وَلَوْ قَبَضَ قَدْرًا مِنْ الضَّرْعِ وَأَحْكَمَ شَدَّهُ ثُمَّ بَاعَ مَا فِيهِ فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَيْنِ، وَهَذَا نَقْلٌ غَرِيبٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ: بُطْلَانُ هَذَا الْبَيْعِ.
فرع: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ حَيَوَانٍ فِي ضَرْعِهِ لَبَنٌ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مَجْهُولًا، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْحَيَوَانِ، وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ.