فهرس الكتاب

الصفحة 3237 من 4102

ج / 9 ص -239- فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا بُطْلَانُهُ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ طَاوُسٌ: يَجُوزُ بَيْعُهُ كَيْلًا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَجُوزُ شِرَاءُ لَبَنِ الشَّاةِ شَهْرًا، وَمِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيِّ1، قَالُوا: لِأَنَّهُ مَعْلُومُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فِي الْعَادَةِ، وَقَاسُوهُ عَلَى مَا إذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلْإِرْضَاعِ شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَسْتَحِقُّ اللَّبَنَ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَثَرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَوْنُهُ مَجْهُولًا مُخْتَلِفًا مَعَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وأما قَوْلُهُمْ: مَعْلُومُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فِي الْعَادَةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْمَرْأَةِ لِلْإِرْضَاعِ أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى اسْتِئْجَارِهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ الْحَيَوَانُ قَبْلَ الْجَزِّ فَيَتَنَجَّسُ شَعْرُهُ، وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِاسْتِئْصَالِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِإِيلَامِ الْحَيَوَانِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

الشرح: قَوْلُهُ: لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، سَوَاءٌ شَرَطَ جَزَّهُ فِي الْحَالِ أَمْ لَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ الْجَزِّ فِي الْحَالِ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَلَوْ قَبَضَ عَلَى كِفْلَةٍ مِنْ الصُّوفِ وَهِيَ قِطْعَةٌ جَمَعَهَا وَقَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، كَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ شَجَرَةً فِي أَرْضٍ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِهِ عَيْنُ الْمَبِيعِ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ بِقَطْعِ الشَّجَرِ وَغَيْرِهِ.

فرع: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ لِأَنَّ اسْتِبْقَاءَهُ بِكَمَالِهِ يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، بِخِلَافِ بَيْعِهِ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّأْسِ قَبْلَ السَّلْخِ، وَالْمَذْهَبُ مَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ.

فرع: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوصَى بِاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَقْبَلُ الْغَرَرَ وَالْجَهَالَةَ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ فِي كِتَابِهِ التَّهْذِيبِ وَشَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَآخَرُونَ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: وَيُجَزُّ الصُّوفُ عَلَى الْعَادَةِ، قَالَ: وَمَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ عَلَى الْعَادَةِ، وَمَا حَدَثَ يَكُونُ لِلْوَارِثِ، قَالَ: وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ بِيَمِينِهِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 هو محمد بن مسلمة بن هشام بن إسماعيل أبو هشام. وهشام جده كان أميرا على المدينة روى محمد هذا عن مالك وهو معدود في الطبقة الوسطى في أصحاب مالك وكان أحد فقهاء المدينة وكان أفقههم في زمانه وهو ثقة وله كتب فقه أخذت عنه في الديباج: وهز ثقة مأمون حجة جمع العلم والورع وتوفي سنة 206هـ (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت