فهرس الكتاب
ج / 10 ص -17- وَأَمَّا الْفَرْعُ الثَّانِي الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله تعالى: فَظَاهِرٌ. لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا يَدْفَعُ ثُبُوتَهُ. وَقَوْلُ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ نَظَرٌ إنْ حُمِلَ عَلَى الْجَهْلِ بِالْحُكْمِ يَتَعَيَّنُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الْخِيَارِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْجَهْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ سُمِّيَ تَفَرُّقًا اتَّجَهَ أَنْ يَبْقَى خِيَارُهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
فُرُوعٌ: نَصَّ عَلَيْهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَالَ رضي الله عنه: وَمَنْ اشْتَرَى فِضَّةً بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَنِصْفٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ سِتَّةً وَقَالَ: خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ بِاَلَّذِي عِنْدِي وَنِصْفٌ وَدِيعَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَلَا بَأْسَ إذَا صَرَفَ مِنْهُ وَتَقَابَضَا أَنْ يَذْهَبَا فَيَزِنَا الدَّرَاهِمَ. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يَذْهَبَ هُوَ عَلَى الِانْفِرَادِ فَيَزِنَهَا. وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَرَفَ الْوَزْنَ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ وَتَقَابَضَا عَلَى ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِيهِ بَحْثٌ سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصْرِفَ الرَّجُلُ مِنْ الصَّرَّافِ دَرَاهِمَ فَإِذَا قَبَضَهَا وَتَفَرَّقَا أَوْدَعَهُ إيَّاهَا.
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى:: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْبِضَ بَعْدَ الصَّرْفِ وَيَدْفَعَ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، أَوْ يَأْمُرَ الصَّرَّافَ أَنْ يَدْفَعَ بَاقِيَهُ إلَى غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ مَقَامِهِمَا حَتَّى يَقْبِضَا جَمِيعَ مَا بَيْنَهُمَا مِثَالُهُ: أَنْ يَصْرِفَ دِينَارًا بِعِشْرِينَ مِنْهُ. عَشَرَةٌ ثُمَّ عَشَرَةٌ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا. وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ - رحمه الله: لَا يَلْزَمُ دَفْعُ جَمِيعِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: تَفَرَّقْنَا عَنْ قَبْضٍ. وَقَالَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ. وَيَكُونُ الصَّرْفُ بَاطِلًا. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ:
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فِي الْإِمْضَاءِ وَالْفَسْخِ كَانَ الْقَوْلُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الْإِمْضَاءَ، وَالْبَيْعُ لَازِمٌ؟ فَهَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقَبْضِ مِثْلَهُ؟
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَنْ ادَّعَى الْفَسْخَ يُنَافِي بِدَعْوَاهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ اللُّزُومُ وَالصِّحَّةُ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْفَسْخِ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ مِنْ ادَّعَى الْإِمْضَاءَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى الْقَبْضَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسْخِ.
قلت: قَوْلُهُ: إنَّ أَصَحَّ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسْخِ، وَافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ لِلْفَسْخِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
وأما مَا جَزَمَ بِهِ قَوْلُ مُنْكَرِ الْقَبْضِ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَنَقَلَ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَا بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي عَدَمَ حُصُولِ الْقَبْضِ، لِأَنَّ الْحَالَ يَشْهَدُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَالَانِ فِي يَدِ أَمِينٍ لَا يَعْلَمُ الْحَالَ أَوْ فِي مَوْضِعِ الْبَائِعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي حُصُولَ الْقَبْضِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَوُجُودُ مَا يَقْتَضِيهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، هَكَذَا ذُكِرَ فِي الِانْتِصَارِ.